آخر تحديث: 7 / 6 / 2026م - 8:35 م

من منصات النفط إلى منصات الفيزياء.. السعودية تحصد خمس جوائز دولية

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

في مشهد يعكس التحول الحقيقي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، لم تعد الإنجازات الوطنية تُقاس فقط بحجم المشاريع العملاقة أو المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت تُقاس أيضاً بعدد العقول القادرة على المنافسة عالمياً في ميادين العلوم والتقنية. ولهذا حمل خبر تحقيق المملكة خمس جوائز دولية في أولمبياد الفيزياء الآسيوي 2026 في كوريا الجنوبية دلالة تتجاوز حدود ”التفوق الدراسي“، ليكشف عن ملامح اقتصاد جديد تُبنى ركائزه على المعرفة والابتكار ورأس المال البشري.

إن الفوز في منافسات علمية بهذا الحجم ليس حدثاً عابراً، ف أولمبياد الفيزياء الآسيوي 2026، يُعد من أقوى المسابقات العلمية على مستوى القارة، ويشارك فيه نخبة الطلاب الموهوبين من دول تمتلك تجارب تعليمية متقدمة واستثمارات ضخمة في العلوم والتقنية. وعندما تتمكن المملكة من حصد خمس جوائز دولية في هذا المحفل، فهذا يعني أن منظومة اكتشاف المواهب العلمية بدأت تنتج نتائج ملموسة على المستوى العالمي.

اقتصادياً الدول التي تستثمر في العلوم الأساسية مثل الفيزياء لا تستهدف فقط حصد الميداليات، بل تبني قاعدة طويلة الأجل للصناعات المستقبلية، فالفيزياء اليوم تقف خلف قطاعات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات، والصناعات العسكرية، والفضاء، والتقنيات الطبية الدقيقة. وبالتالي فإن أي دولة تنجح في تكوين جيل قادر على الإبداع العلمي، فإنها عملياً تؤسس لاقتصاد أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على الموارد التقليدية.

ما يحدث اليوم في المملكة يتناغم بشكل واضح مع مستهدفات ”رؤية المملكة 2030“ التي وضعت الاستثمار في الإنسان السعودي كأولوية وطنية، فخلال السنوات الأخيرة توسعت برامج رعاية الموهوبين، وزادت المشاركة السعودية في الأولمبيادات العلمية الدولية، وارتفع الاهتمام بالتعليم النوعي والبحث والابتكار، وهو ما انعكس على حضور المملكة في المحافل العلمية العالمية بصورة غير مسبوقة.

اللافت في هذا الإنجاز أن أثره لا يقتصر على الجانب المعنوي أو الإعلامي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي المباشر، فالدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار العالمية غالباً ما تمتلك بيئات قوية في تعليم العلوم والرياضيات والهندسة، كما أن الشركات العالمية الكبرى أصبحت تبحث عن الدول التي تمتلك كفاءات علمية قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة، لأن رأس المال البشري أصبح اليوم أكثر قيمة من رأس المال التقليدي.

ومن زاوية أخرى فإن هذه الإنجازات تخلق نموذجاً مجتمعياً جديداً للشباب السعودي، فبدلاً من اقتصار النجومية على المجالات التقليدية، بدأنا نشاهد بروز نماذج شبابية علمية ملهمة قادرة على صناعة التأثير ورفع سقف الطموح لدى الأجيال القادمة، وهذا التحول الثقافي بحد ذاته يمثل استثماراً طويل الأجل في مستقبل الاقتصاد الوطني.

السعودية اليوم لا تحتفل فقط بخمس جوائز في الفيزياء، بل تحتفل بتحول استراتيجي كامل، انتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يصنعه الإنسان والمعرفة، وربما تكون هذه الميداليات العلمية الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معناها، واحدة من أهم المؤشرات على شكل المملكة خلال العقود القادمة: دولة تنافس بالعقول قبل الثروات، وبالابتكار قبل الإمكانات التقليدية.

مستشار الموارد البشرية