الجسد ليس مشاعًا
ليست القضية في ثوبٍ قصير أو طويل، ولا في لونٍ اختارته امرأة لتخرج به بين الناس؛ القضية أعمق من القماش، وأبعد من الموضة، وأخطر من أن تُختصر في ذوقٍ شخصي أو حريةٍ عابرة. القضية أن الجسد حين يُعرض في المكان العام على نحوٍ يكشف أكثر مما يستر، يتحوّل شاءت صاحبته أم لم تشأ من خصوصيةٍ مصونة إلى مشهدٍ مفتوح، ومن جمالٍ له حرمته إلى صورةٍ مشاعةٍ تتناولها العيون، وتختلف حولها النفوس، وتتبعها الظنون.
قد لا تقصد المرأة أن تثير، وقد لا تنوي أن تلفت، وقد تقول إن هذا لباسها وهذا اختيارها؛ ولكن بعض الألبسة صُممت أصلًا لتُظهر المفاتن لا لتخفيها، ولتشدّ النظر لا لتصرفه. وحين يظهر الجمال الخاص في الفضاء العام، لا يبقى خاصًا كما كان؛ بل يصبح مباحًا للنظر، ومادةً للتعليق، ومجالًا للمقارنة، وربما بابًا لعينٍ حاسدة، أو نفسٍ مريضة، أو رجلٍ لا يحسن كبح رغبته، أو امرأةٍ تجرحها المقارنات وهي ساكتة.
وهنا لا نبرر للمتحرش، ولا نغسل خطيئة من يمدّ عينه أو لسانه أو يده؛ فالخطأ خطأ، والاعتداء اعتداء، وغض البصر خُلقٌ ودينٌ ومسؤولية. ولكن الحكمة تقول أيضًا: لا تضع الزيت قرب النار ثم تتعجب من تصاعد اللهب. وليس من العقل أن نفتح أبواب الفتنة ثم نشكو من الريح إذا دخلت.
لقد فرض الله الستر لا ليحاصر المرأة، بل ليصونها؛ لا لينقص جمالها، بل ليحفظه في موضعه الكريم. فالزينة حين تكون لكل عين تفقد بعض معناها، أما حين تكون في دائرتها الخاصة، حيث المودة والميثاق والستر، فإنها تبقى أرقى وأطهر وأعمق. وما أجمل أن يكون للمرأة جمالٌ لا يملكه المارة، ولا تستهلكه نظرات الغرباء، ولا يصبح حديث مجلسٍ عابر في مطعم أو سوق أو مناسبة.
والحرية، مهما اتسعت، لا تعني أن يعيش الإنسان بلا حدود. فلكل شيء حدّ: للكلام حد، وللنظر حد، وللذوق حد، وللحرية حدّ حين تمسّ القيم والحياء والسكينة العامة. وقد رأينا مجتمعاتٍ جعلت الجسد سلعةً باسم الحرية، ثم غرقت في أزمات الخيانة والقلق والمقارنات القاسية وتفكك الثقة بين الأزواج. ورأينا في المقابل نساءً عفيفاتٍ واعيات، لم يحتجن إلى كشف الجسد ليُثبتن الجمال، ولا إلى لفت العيون ليشعرن بالقيمة.
ويبقى السؤال الصريح الهادئ: ماذا سيفعل الزوج أو الأب أو الأخ إذا جلس في مكانٍ عام، ورأى العيون تلتهم جسد من جاءت معه؟ هل يغضب من الناس وحدهم؟ أم يسأل نفسه: من الذي سمح لهذا الجمال الخاص أن يُعرض في ساحةٍ عامة؟ ومن الذي رضي أن تكون الزينة التي يفترض أن تُصان، مادةً متاحةً لكل عابر؟
ليست الدعوة إلى القسوة، ولا إلى احتقار أحد، ولا إلى تفتيش الناس في ملابسهم؛ بل هي دعوة إلى مراجعة هادئة: جسد المرأة كرامة، وزينتها أمانة، وجمالها ليس إعلانًا عامًا ولا مشهدًا مشاعًا. والحياء لا يلغي الجمال، بل يرفعه. والستر لا يطفئ الأنوثة، بل يحميها من الابتذال. ومن أراد أن يحفظ ما يحب، فليصنه عن العيون قبل أن يطلب من العيون أن ترحمه.













