آخر تحديث: 8 / 6 / 2026م - 8:48 م

نبض الحديد

عبير ناصر السماعيل *

بين جذوع أشجار غارقة في القدم، حيث يلف الضباب جذورها الملتوية، كانت تخطو بقدمين حافيتين تلامسان الأرض بخفة راقصة، تداعب أطراف الأشجار بأصابعها. المشهد من حولها يقطر رعبًا؛ على يمينها تتلوى ظلال لحيوانات مسعورة، وعلى يسارها تمتد أراضٍ محروقة تفوح منها رائحة المآسي. وسط هذا الجحيم، كانت تمشي بابتسامة صافية، تطلق صفيرًا عذبًا يتناغم مع زقزقة العصافير وكأنها في بُعد آخر تمامًا.

شق الهواء صفيرٌ حاد طمس غناء العصافير. سهمٌ انطلق مندفعًا نحو منتصف صدرها. ارتطم. لكنه لم يسفك دمًا. بل دوّى صوت اصطدام معدني حاد، وارتد لينكسر عند قدميها. وحين اقتربوا باحثين عن السر، وجدوا آلة صغيرة من الحديد. تعمل بصمت. وظيفتها الوحيدة أن تضخ الدم وتحافظ على استمرار الحياة.

همسوا: ”كنا نعلم… أنتِ بلا قلب.“

ابتسمت الفتاة، ونظرت إلى الآلة:

”ومن قال إن اختلاف طريقة النبض يعني غياب الحياة؟“

انسحبت من ضجيج أحكامهم، تجر خطواتها بخفة وثبات نحو زاوية العزلة، حيث تقبع مرآتها العتيقة. وقفت أمام السطح الزجاجي البارد، تتأمل تلك التروس بتمعّن.

الجسد الذي لم يعكس للرائين سوى واجهة صلبة، كان يخفي خلفه ساحة وجدان لا تهدأ؛ عاصفة من التساؤلات المكتومة، ودوائر لا تنتهي من التحليل والفرز ومحاولة الفهم.

رفعت يدها ببطء، وأشارت نحو انعكاس الآلة القابعة مكان القلب، كأنها للمرة الأولى لا تبحث عن عيبها، بل عن تفسيرها. تلاقت نظراتها مع ذاتها عبر الزجاج، قبل أن تهمس:

”أجيبيني… هل كُتب على الشعور ألا يُعترف به إلا حين يظهر بالشكل الذي ينتظره الآخرون؟“

ساد الصمت للحظات. لم تتحرك التروس، ولم يتغير إيقاع ذلك النبض المعدني الهادئ. لكن في أعماقها، بدأ تساؤل أعمق يفتح أبوابه.

هل يُقاس الوجدان بما نعرضه على مسارح الآخرين، أم بما نكابده في صمتنا؟

لسنوات طويلة ظن الإنسان أنه يستطيع قراءة القلوب من وجوه أصحابها، لكنه كان ينسى أن ما يراه ليس الشعور ذاته، بل أثره.

فالمشاعر ليست العرض الذي نقدمه للعالم، بل استجابة داخلية معقدة يولّدها العقل والجسد أمام ما نعيشه؛ مزيج من الإدراك، والذاكرة، والتجارب، والتغيرات التي تحدث داخلنا.

حاول الإنسان منذ القدم فهم ذلك العالم الخفي الذي يتحرك داخله. ففي كتابه ”خطأ ديكارت“، رأى عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو أن العاطفة والعقل ليسا طرفين متناقضين؛ فالمشاعر ليست عائقًا أمام التفكير، بل جزء من الطريقة التي يفسر بها الإنسان تجاربه ويتخذ قراراته.

أما بول إيكمان، فقد أوضح في كتابه ”المشاعر التي تنكشف“، ومن خلال دراساته حول الانفعالات وتعابير الوجه، أن هناك أنماطًا مشتركة في التعبير عن بعض المشاعر الأساسية، لكن وجود لغة عامة بين البشر لا يعني أن كل إنسان ينطقها بالطريقة نفسها.

فكأن الإنسان ليس مطالبًا فقط بالنظر إلى ما يظهر أمامه، بل بمحاولة إعمال بصيرته لإدراك ما لا تستطيع العين وحدها الوصول إليه.

فقد ينهار أحدهم أمام الألم، بينما يصمت آخر. قد تفيض عين بالحزن، بينما ينشغل عقل آخر بمحاولة ترتيب ذلك الحزن وفهمه.

الاختلاف لم يكن يومًا دليل غياب، أحيانًا يكون مجرد لغة لم نتعلم ترجمتها بعد.

ويبقى السؤال…

حين نقف أمام مشاعر لا تشبه ما نعرفه… هل نسعى لفهم عالمها المختلف، أم نحاكمها فقط لأنها لم تأتِ بالصورة التي أردنا أن نراها؟

تجلت هذه الحقيقة في يومٍ خلع فيه الجميع أقنعتهم، وأصبح الحزن اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة. هناك، حيث وقف الجميع أمام الفقد.

اجتمعوا حول غياب شخصٍ أحبوه؛ كانت الوجوه مثقلة، والأصوات مكسورة، والدموع تجد طريقها بسهولة فوق الوجنات.

كانت تنظر إليهم بصمت.

تفهم حزنهم.

تفهم معنى الغياب، وأن هناك إنسانًا كان هنا ولم يعد.

لكنها وسط كل ذلك كانت تقف غريبة عن المشهد.

لا دمعة.

لا انهيار.

فقط تلك الآلة في صدرها تعمل بالإيقاع ذاته.

هادئة، منتظمة، وكأن شيئًا لم يحدث.

نظرت حولها، ثم عاد التساؤل يطرق تروسها بعمق فلسفي أشد قسوة:

هل يُشترط للشعور أن ينزف علنًا حتى يُعترف بوجوده؟ وهل صمت الملامح يعني بالضرورة خواء الوجدان وانطفاء ما يسكن الداخل؟

فقد رأى أرسطو في كتابه ”فن الخطابة“ أن المشاعر ليست مجرد موجات عشوائية تجتاح الإنسان، بل ترتبط بالطريقة التي يدرك بها الحدث ويفسره.

وبعد قرون طويلة، جاء علم الأعصاب ليقترب من الفكرة ذاتها؛ فالعقول لا تختلف فقط في الأفكار التي تحملها، بل في الطريقة التي تستقبل بها التجربة وتنظم الاستجابة لها.

وهنا يظهر عالم آخر لدى بعض الأشخاص؛ أولئك الذين يمتلكون طرقًا مختلفة في استقبال المشاعر وتنظيمها ومعالجتها.

فقد تكون المشاعر موجودة، تنبع من روح صافية، لكنها لا تعبر دائمًا من الطريق المتوقع.

هناك إنسان ينهار مع الشعور لحظتها، وهناك إنسان آخر يمسك بالشعور، يفككه، يحلله، يبحث عن أسبابه ومعناه، قبل أن يسمح لنفسه بأن يعيشه.

وليس كل من حلّل مشاعره بمنطقية كان هاربًا منها، أحيانًا تكون تلك طريقته الوحيدة للوصول إليها.

وقفت أمام مرآتها من جديد.

كانت تعرف الآن أن تلك التروس لم تكن دليل غياب، وأن اختلاف نبضها لم يكن يعني أنها بلا مشاعر.

لكن المعرفة وحدها لم تكن كافية دائمًا لإسكات الأصوات القديمة.

فما زالت في بعض اللحظات ترى ذلك الاختلاف كما رأوه…

كشيء يحتاج إلى إصلاح.

كجزء يجب أن تحاربه حتى تصبح أقرب للصورة التي اعتقدت طويلًا أنها الصورة الصحيحة.

وهنا وجدت نفسها أمام مواجهة أكثر قسوة؛ أدركت أن أقسى الأحكام ليست دائمًا تلك التي تأتي من الخارج… بل تلك التي نستمر في تنفيذها بعد أن يغادر أصحابها.

فكم مرة رفعنا سوط المحاكمة على أنفسنا باسم التطور؟

وكم مرة ظننا أننا نصلح ذواتنا، بينما كنا نحاول فقط محو الأجزاء التي لم يعرف الآخرون كيف يفهمونها؟

ويبقى السؤال…

متى يكون سعينا للتغيير نموًا حقيقيًا… ومتى يصبح مجرد محاولة مستمرة للاعتذار عن اختلافٍ لم نمنحه فرصة أن نفهمه؟

كاتبة ومستشارة استراتيجية، تؤمن أن الوعي هو أول خطوة في بناء أي كيان ناجح، وأن ما لا يُفهم في الذات، لا يُصلح في المؤسسة