تسع سنوات من الانتظار
في إحدى الأمسيات الجميلة التي اعتادت والدتي أن تنظمها، وتدعو إليها بعض نساء الجيران، كان البيت يغمره دفء اللقاءات الصادقة، وتفوح في أرجائه رائحة الألفة والمحبة.
وبين الأحاديث الهادئة والوجوه المبتسمة، جلستُ أتأمل تلك السيدة الهادئة، نادية، التي أصبحت جارتنا منذ شهور.
كانت السيدة نادية مثالًا للأخلاق والطيبة وحسن المعشر. ومنذ أن عرفناها، لم نرَ منها إلا الكرم والذوق والاحترام. بدأت المعرفة بين العائلتين منذ ذلك اليوم، وبفضل والدتي أصبحت السيدة نادية كأنها واحدة من أفراد أسرتنا، حتى نشأت بيننا مودة صادقة لا تصنعها المجاملات العابرة، بل تبنيها القلوب الطيبة والأرواح النقية.
وفي إحدى الجلسات، التفتت السيدة نادية إلى والدتي وقالت بصوتٍ خافتٍ امتزج فيه الرجاء بالرضا:
— ادعي لي يا أم أمل... أنا متأخرة عن الحمل منذ تسع سنوات.
ساد الصمت للحظة.
ورفعت والدتي يديها بالدعاء وقالت:
— أسأل الله أن يرزقك الذرية الصالحة، وأن يقرّ عينك بما تتمنين.
ابتسمت السيدة نادية ابتسامةً هادئة، ثم قالت:
— بعد عيد الأضحى إن شاء الله سأذهب مع زوجي إلى دولةٍ أخرى للعلاج لمدة شهر.
كانت كلماتها تحمل أملاً كبيرًا رغم سنوات الانتظار الطويلة.
سألتها والدتي:
— ألم تراجعي الأطباء هنا؟
أجابت برضا المؤمن:
— راجعت كثيرًا، وزرت أكثر من طبيب، لكن ما كتبه الله لم يكن قد حان وقته بعد. ومع ذلك سأستمر في السعي، فالأخذ بالأسباب عبادة، والرجاء بالله لا ينقطع.
ثم تحدثت عن طبيبة في تلك الدولة نصحها بها المقربون، وعن امرأة من أقاربها تأخر حملها سنوات طويلة، ثم سافرت للعلاج هناك، وبعد مدة قصيرة رزقها الله الحمل.
لم تكن تتحدث بثقة في الطبيبة بقدر ما كانت تتحدث بثقة في الله.
كانت تعلم أن الشفاء بيده سبحانه، وأن الطبيب سبب من الأسباب، لذلك جمعت بين الدعاء والسعي، وبين الرضا والأمل.
وما لفت انتباهي يومها أمرٌ آخر.
كان في تلك الجلسة طفل صغير لم يتجاوز عمره عامًا ونصف العام تقريبًا مع والدته. ورغم وجود والدته بقربه، كانت السيدة نادية تحتضنه باستمرار، تطعمه، وتلاعبه، وترعاه وكأنه قطعة من قلبها.
كنت أراقب نظراتها إليه.
كانت تحمل بين عينيها لهفة أمٍّ تنتظر.
وشوق امرأةٍ تتمنى أن تضم طفلها بين ذراعيها يومًا ما.
لم تنطق بشيء، لكن عينيها كانتا تحكيان قصة تسع سنوات من الدعاء والانتظار.
ومع ذلك لم أرَ في حديثها اعتراضًا على القدر، ولا شكوى من الحياة، ولا يأسًا من رحمة الله.
بل كانت تردد بمعناها:
”أنا راضية بما قسمه الله لي، لكنني سأواصل الطرق على أبواب الأمل.“
سافرت نادية مع زوجها، والأمل لم يفارق قلبها لحظة واحدة.
كانت تحمل في حقيبتها أوراق الفحوصات، وتحمل في قلبها دعوات تسع سنوات كاملة.
وحين اقترب موعد زيارة الطبيبة، شعرت بشيءٍ من القلق يتسلل إلى داخلها.
التفتت إلى زوجها وقالت:
— أشعر بالقلق.
أجابها بابتسامة هادئة:
— اطمئني.
ترددت قليلًا ثم قالت:
— ماذا لو قالت الطبيبة إنه لا أمل في الإنجاب؟
نظر إليها زوجها بعينين مملوءتين بالرضا وقال:
— سنقول الحمد لله... ودعينا نذهب حتى لا نتأخر.
كان يعلم أن الأمل بالله لا ينتهي مهما كانت النتائج.
دخلا على الطبيبة.
كانت الطبيبة تستقبلهما بابتسامة هادئة، وكأنها تحمل في ملامحها رسالة طمأنينة قبل أن تنطق بأي كلمة.
رحبت بهما، ثم بدأت تسأل نادية بعض الأسئلة الطبية.
وبعد دقائق سألتها:
— هل دورتك الشهرية منتظمة؟
أجابت نادية:
— نعم... لكنها هذا الشهر تأخرت قليلًا.
في تلك اللحظة، ارتسمت على وجه الطبيبة ابتسامة خفيفة، وكأن خيطًا من الأمل بدأ يلوح أمامها.
ثم قالت:
— هل تسمحين أن نجري لك فحصًا بسيطًا؟ لن تتأخر نتيجته.
ناولتها علبة صغيرة لأخذ العينة.
نظرت نادية إليها، بينما كانت دقات قلبها تتسارع، وأفكار كثيرة تتزاحم في رأسها.
قالت الطبيبة بلطف:
— اطمئني.
وبعد أن أحضرت نادية العينة، بدأت الطبيبة بإجراء الفحص.
مرت الدقائق بطيئة...
دقائق بدت لنادية وكأنها سنوات أخرى من الانتظار.
وكان زوجها يجلس إلى جوارها يردد في قلبه الدعاء بصمت.
ثم رفعت الطبيبة رأسها.
ابتسمت.
ونظرت أولًا إلى الزوج وقالت:
— من اليوم أرجو أن تعامل زوجتك وكأنها ملكة... لا تغضبها، ولا ترهقها بالعمل، وكل ما تطلبه أحضره لها.
كانت نادية تستمع إلى كلام الطبيبة وهي تتساءل في دهشة عن سبب هذه الوصايا المفاجئة.
صمتت الطبيبة لحظة...
ثم قالت وهي تبتسم:
— مبروك... أنتِ حامل. لا حاجة لأي عملية.
في تلك اللحظة...
توقفت الكلمات.
وشعرت نادية وكأن العالم كله قد صمت إلا نبضات قلبها.
حدقت في الطبيبة غير مصدقة.
أحقًا انتهت رحلة الانتظار؟
أحقًا جاءت البشارة التي كانت تطرق باب السماء بها منذ تسع سنوات؟
امتلأت عيناها بالدموع.
أما زوجها فظل للحظات صامتًا، وكأن الخبر أكبر من أن تستوعبه الكلمات.
ثم نظر إليها، فوجد الدموع تسبق الابتسامة، ووجدت هي في عينيه فرحًا عظيمًا ظل مختبئًا سنوات طويلة.
اختلطت الدموع بالضحكات.
وحمد كلاهما الله من أعماق قلبيهما.
في تلك اللحظة لم يتذكرا مشقة السفر، ولا تكاليف العلاج، ولا سنوات الانتظار الطويلة.
كانا يشعران فقط أن الله قد جبر خواطرهما جبرًا جميلًا.
خرجا من العيادة وهما يحملان ورقة صغيرة...
لكنها كانت بالنسبة لهما أجمل هدية حملاها في حياتهما.
وربما أدركا يومها معنى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .
فبعض الأمنيات تتأخر...
لا لأنها مستحيلة،
بل لأن الله يدخر لها الوقت الذي تكون فيه أجمل، وأقرب إلى القلب، وأعظم أثرًا في النفس.













