لا تؤجر عقلك لكاتب
من الأسئلة التي لا ينبغي أن تمرّ على العقل مرور العابرين: هل نزن الكلام بما قيل، أم نزن الكلام بمن قال؟
والجواب ليس بابًا واحدًا يُفتح بمفتاح واحد؛ فهناك مقامٌ نقدّس فيه القائل والقول معًا، وهناك مقامٌ نوقّر فيه القائل لكن لا نُعطل عقولنا، وهناك مقامٌ لا يهمنا فيه لمعان الاسم بقدر ما يهمنا صدق الفكرة وسلامة الدليل.
فأمّا القرآن الكريم، فهو كلام الله، والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ معه لا نقف موقف المساومة، ولا نضع عقولنا فوق نوره، بل نجعل عقولنا تستضيء به. وأمّا كلام الأنبياء والأئمة المعصومين
، فإننا ننظر أولًا إلى القائل؛ لأننا نعتقد أنهم أبواب علمٍ رباني، وورثة هدايةٍ متصلة بمشكاة النبوة. ولكن مع ذلك لا بد من التثبت من صحة النسبة، فكم من كلمةٍ جليلة نُسبت إلى عظيم، وهي لم تخرج من فمه، ولا مرت على خاطره.
أما ما سوى ذلك من كلام البشر، مهما علت أسماؤهم، وكبرت ألقابهم، وكثرت صورهم على أغلفة الكتب، فهو علمٌ إنسانيٌّ قابلٌ للصواب والخطأ، والتطور والتراجع، والتأثر بالمصلحة والبيئة والهوى. فلا تجعل إعجابك بكاتبٍ ما سببًا في تسليم عقلك له تسليمًا كاملًا، ولا تجعل جمال العبارة يغطي ضعف الفكرة؛ فبعض الكُتّاب يملكون من أدوات الإقناع ما يجعلونك تصفق وأنت لا تدري هل صفقت للحقيقة أم للموسيقى اللفظية.
الكتاب ليس قرآنًا صغيرًا، والكاتب ليس نبيًا مؤجلًا. قد يكتب الرجل اليوم فكرةً يدافع عنها كأنها آخر الحقائق، ثم يعود بعد سنوات فيكتب ضدها كأنها كانت آخر الأخطاء. وقد يتغير الكاتب بتغير تجربته، أو بتغير مصالحه، أو بتغير من يدفع أكثر؛ فهناك أقلامٌ لا تسأل: أين الحق؟ بل تسأل بهدوءٍ شديد: أين التحويل البنكي؟
لذلك، لا تتباهَ بأنك قرأت كتابًا فأقنعك؛ بل اسأل نفسك: هل قرأت ما يعارضه؟ هل عرفت حجج الطرف الآخر؟ هل وقفت على نقاط الضعف قبل نقاط الجمال؟ من أراد رأيًا ناضجًا فليقرأ للفكرة ومن ضدها، وليسمع من المؤيد والمعارض، وليترك في عقله نافذةً مفتوحة يدخل منها هواء المراجعة.
اقرأ الكتاب، ولكن لا تتحول إلى حارس أمن على بابه. أحب الكاتب، ولكن لا تجعله شيخ طريقةٍ فكرية لا يُسأل عما يفعل. انتفع بالفكرة، ولكن لا تُغلق عليها عقلك بالمفتاح وتلقيه في البحر. فالعقل الكريم لا يرفض كل جديد، ولا يبتلع كل جميل؛ بل يمضغ الفكرة جيدًا قبل أن يجعلها جزءًا من قناعته.
إن أخطر ما يصيب الإنسان أن يربط كرامته بصحة رأيه، فإذا بان له الخطأ ظن أن التراجع هزيمة. والحقيقة أن الرجوع إلى الصواب شجاعة، وأن مراجعة القناعة ليست خيانة للفكر، بل وفاءٌ للعقل. اجعل لنفسك دائمًا خط رجعة في الأفكار؛ فاليقين له مواضعه، والاحتمال له مواضعه، ومن خلط بينهما تعب وأتعب الناس معه.
نعم، اسأل: من قال؟ ففي القائل قرائن مهمة من علمٍ وأمانة وتجربة. ولكن لا تكتفِ بذلك؛ بل اسأل بعده: ماذا قال؟ وما دليله؟ وما الذي قيل ضده؟ ومن المستفيد من نشره؟ وهل الفكرة تصلح لكل زمان ومكان، أم أنها بنت ظرفٍ عابر ومصلحةٍ خفية؟
وبين تقديس النص الإلهي، واحترام مقام المعصوم، ونقد كلام البشر، يتكوّن العقل المتزن؛ عقلٌ مؤمن لا يعبد الكُتّاب، وواعي لا يخاصم المعرفة، وحرّ لا يؤجر رأسه لكل من أحسن ترتيب الجمل.
فليس كل من كتب أضاء، ولا كل من أقنع صدق، ولا كل من رفع صوته امتلك الحق. الحق لا يخاف السؤال، والفكرة الصادقة لا ترتجف من المقارنة، والعقل الناضج لا يقول: أقنعني فلان، بل يقول: أقنعني الدليل… حتى يظهر دليلٌ أقوى.













