صعوبةُ المصالحة بين عالمين
ما قصدته من العنوان، أعزاءنا القراء، هو تسليط الضوء على صعوبة التوفيق والتقريب بين: «1» عالم الجاذبية و«2» عالم الكم. معلوم لديكم أن الأرض والكواكب تدور في انتظامٍ جليل، ذلك لأنها تستشعر وتستجيب لقانون الجاذبية الذي لا يتخلف. وكنتيجة للجاذبية، ها هي ذي البحار لا تستقر، والنجوم لا تتماسك، والمجرات لا تتبعثر في الفراغ إلا وفق قوانين الجاذبية ومساراتها الدقيقة. لكن المفارقة العجيبة تبدأ حينما ننزل إلى العالم المجهري، ونغوص في أعماق الذرة وما دونها، حينها نجد أنفسنا أمام عالمٍ يبدو وكأنه غير مهتمٍّ أصلًا بالجاذبية، أو كأن قوة الجذب فيه قد تكاد تختفي حتى تصبح أضعف من ”وشوشة“ في وسط ضجيج ”المعاريس“.
وهنا يقف العقل هائمًا، لماذا يصعب حتى اليوم إيجاد أي صيغة توافقية بين هذين العالمين؟
لعلك تتساءل عن الإلكترون وهو يطوف حول الذرة، لماذا لا يتسارع إزاء النواة كما يتساقط النيزك نحو الأرض، رغم أن بينهما استقطابٌ؟ كذلك الحال في الجسيمات الأولية التي لا تتحرك وفق الصورة الكلاسيكية التي نعرفها، كأنها تتماهى على طبق ضبابيات الاحتمالات والموجات والتذبذبات الأولية. ليتني أستطيع أن أتخيل حركتها وهي ترسم مشهدًا بديعًا في ذهن القارئ أشبه بسحابة رياضية، غيمة مختلفة عن أي صورة عقلية أخرى لجسمٍ فيما دون الذري وهو يسير في خط ثلاثي الأبعاد. هذا مع تسليمنا بأن الجاذبية الكمية ليست بالقوية، إنما السيطرة داخل عالم ”الموجة والجسيم“ هي لمزيج من القوى الكهرومغناطيسية والنووية الشديدة والضعيفة.
لعلك تتساءل عن السبب وراء ضعف الجاذبية في هذا العالم الخفي للمادة. السر يكمن في أن كتلة الإلكترون مثلًا صغيرة للغاية، وبما أن الجاذبية تعتمد إجمالًا على الكتلة، فبالتبع كلما صغرت الكتلة تضاءلت معها أيضًا بصورة هائلة قوة الجذب المصاحبة، والعكس صحيح. ألا ترى صعوبة رصد الجاذبية في التجارب الكمية اليومية، في الوقت الذي تهيمن فيه باقي القوى الأخرى على المشهد التجريبي بالكامل؟
والأعجب من ذلك أن الفيزياء الحديثة نفسها ما زالت عاجزةً عن عقد وثيقة المصالحة الكاملة بين عالم الواقع وعالم الكوانتا. فالنسبية العامة التي صاغها ألبرت أينشتاين تعرف الجاذبية بأنها بصمة الانحناء في نسيج الزمكان. وبهذا حازت قصب السبق في تفسير حركة الكواكب والثقوب السوداء والمجرات. أما ميكانيكا العالم غير المرئي فإنها دأبت على أن تصف عالم الجسيمات الدقيقة بلغةٍ مختلفة تمامًا، لغة الاحتمالات والتراكب وعدم حصول اليقين. وكأن الكون يعمل بنظامين رياضيين متوازيين لا يلتقيان؛ أحدهما يحكم العالم الكبير، والآخر يقنن العالم المجهري. بين العالمين يقبع الإنسان أسيرَ البحث عن الجسر الذي يوحِّدهما في نظرية كونية واحدة. كأنك تواجه نفس المستوى من التحدي والمجاهدة في حياة الإنسان عند محاولة الموازنة بين العالمين المادي والغيبي.
وبشيء من الدقة يتجلى لك بأن المشكلة أعمق من مجرد اختلاف في المعادلات؛ فجوهر الخلاف يكمن في أن كل عالمٍ منهما ينظر إلى ”الواقع“ بطريقة مختلفة. ففي النسبية يكون الزمكان نسيجًا هندسيًا متصلًا، تنحني فيه المسافات والأزمنة بفعل الكتلة والطاقة. أما في العالم الكمومي، فإن الموجودات لا تمتلك يقينًا كاملًا، والجسيم قد يكون في أكثر من حالة كوانتية واحدة في نفس اللحظة إلى حين تتم ملاحظته. وكأن الإنسان يحاول عبثًا الجمع الهندسي في معادلة وصفية واحدة بين بحرٍ هادئ من جهة وبين محيطٍ مضطرب متلاطم يفيض بالتموجات والتذبذبات من جهة أخرى.
وكان ذلك منطلقًا لظهور محاولات عديدة للتقريب شملت نظرية ”الجاذبية الكمية“ والأوتار والرغوة الكمية، وكلها مساعٍ لفهم كيفية تصرف الكون حين تصبح الجاذبية صغيرة على المستوى الذري، وكيف سيبدو الزمكان نفسه عندما نغوص إلى أصغر المقاييس الممكنة «طول بلانك». إلا أن الطريق لا يزال طويلًا، وذلك لقلة التجارب وعجزها عن الوصول إلى تلك الأعماق، ومحدودية التقنية، وضآلة المقاييس فيما تحت الذرة.
إن هذه الحيرة العلمية لا تُضعف من قيمة العلم، وإنما تنم عن تواضع العالم أمام جبال المعرفة. وكلما تعمق الإنسان في الكون، كلما اكتشف أن الواقع أعقد مما رسم له عقله من صور مبسطة. ولعل أعظم ما تعلمه الإنسان من صعوبة المصالحة بين هذين العالمين، هو أن الكون ليس كتابًا سهل القراءة، وأن هذا البناء الكوني الهائل ما زال يخفي وراءه من الأسرار أكثر مما قد كشف الستار عنه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].













