آخر تحديث: 10 / 6 / 2026م - 9:07 م

الخطيب والمستمع: من يقود الآخر!

أ. د. حيدر أحمد اللواتي *

إن التحديات التي تواجه الخطيب أن بعض المعايير الكمية غاية في البساطة والوضوح، بحيث تجعل الجمهور والخطيب ينجذبان إليها وتهيمن على اهتمامهما، ومع مرور الوقت تغدو هذه المعايير الكمية هي الحاكمة على جودة الخطابة وقوتها، وقد ساهمت التقنيات الحديثة في ذلك، فمثلًا يمكن للخطيب أن يعرف عدد من استمعوا لمحاضرته، وكم عدد الذين تفاعلوا مع محاضرته إيجابًا، وأبدوا إعجابًا بها، فإذا كانت إحدى محاضراته حققت أرقامًا قياسية في أعداد المعجبين، فقد تتحول هذه المحاضرة إلى بوصلة توجه الخطيب إلى ما سيطرحه لاحقًا، ولذا فإن هذه الأمور لوضوحها وبساطتها، تجعل بعض الخطباء ينجرّون إليها دون قصد.

لكن هذه المعايير البسيطة والواضحة لا يجب أن تكون معايير للنجاح وغاية في حد ذاتها، فقيمة ما يطرحه الخطيب تكمن في مدى التوافق بين محتوى محاضراته وأهدافه المحددة بوعي، وهذه التقييمات السطحية مثل كثرة الحضور هي مقاييس مضللة، قد تدفع الخطيب للانحراف عن مساره الحقيقي والابتعاد عن أهدافه الأصلية، إن هذا الانحراف قد يحدث نتيجة لتأثره بآراء الجمهور أو رغباته، مما يحول الخطيب من قائد وموجه إلى تابع يتبنى أهدافًا وقيمًا ومبادئَ الآخرين لتغدو بديلًا عن أهدافه وقيمه ومبادئه التي يؤمن بها، فيغدو صدى لهم، وبدلًا من أن يصبح هو الموجه، إذا به يغدو موجَّهًا منهم، ولذا فمع انتشار هذه التقييمات الكمية يصبح التحدي الكبير هو أن يظل الخطيب هو المؤثر، وهو من يوجه الجمهور ولا يسمح للجمهور أن يوجهه، وذلك يتطلب ثقة عميقة في الرؤية التي يحملها، والتزامًا صلبًا بغاياته حتى لو كانت أقل شعبية أو أثارت جدلًا، وتحتاج مراجعات ووقفات مع النفس ومصارحة وشجاعة فائقة.

ومن المهم التأكيد على أن هذه الأرقام لها أهميتها وفائدتها، لذا فلا يجب من الخطيب تجاهلها أو إهمالها تمامًا، بل على العكس، يمكنه الاستفادة منها بطرق فنية ومدروسة، مثل دراسة تأثير الأساليب المختلفة في تقديم المواضيع، أو تحليل أثر التوقيت ومدة المحاضرة، أو حتى تقييم ردود فعل الجمهور على بعض النقاط، كل هذا يمكن أن يساعده في تحسين أدائه دون أن يتخلى عن الأهداف الجوهرية التي وضعها ويراها ذات أهمية بالغة.

لكن اللوم لا يقع كله على الخطيب وحده، فهناك دور حيوي للمثقفين والمهتمين بالشأن الاجتماعي في دعم الخطاب الهادف والنقد البناء، يجب أن يؤدوا أدوارهم بجدية، بحيث لا يقتصر تقييمهم على صوت الخطيب أو قدرته على إثارة المشاعر أو على عدد الحضور فقط، بل يجب أن يشمل التقييم المحتوى القيمي الذي يقدمه، والأفكار التي يطرحها، وكيفية تناولها ونقدها بشكل عميق وبناء، فالنقد البناء لا يهدف إلى هدم الخطاب أو التقليل من شأن الخطيب، بل هو وسيلة لتعزيز جودة المحتوى، وتحفيز التفكير النقدي، وتشجيع الخطيب على الثبات على أهدافه بدلًا من الانجراف نحو أهداف الجمهور، كما يجب على الخطيب أن يحتضن النقد بروح إيجابية، فهو في الحقيقة علامة مهمة من علامات النجاح، فعندما يجد الناقد نفسه مضطرًا للتعبير عن رأيه في محاضراته، فهذا يعني أن الخطاب وصل إليه بعمق وأثار اهتمامه بما يكفي ليكتب عنه، إن هذا الاهتمام النقدي هو انتصار بحد ذاته، وأهم من الرقم الذي يعبر عن عدد المعجبين بمحاضرته، فالنقد الذي يُثير التفكير هو شهادة حقيقية على تأثير الخطيب وقوة رسالته، وهو إنجاز لا يُقاس بعدد المستمعين فقط.

إذا قام المثقف بدوره الناقد، واستقبل الخطيب النقد بهذه الروح العالية، فسيصبح الخطاب معلمًا ثقافيًا واجتماعيًا حقيقيًا، لا مجرد أداء صوتي أو شعبي، ويصبح المثقفون شركاء في صناعة خطاب متزن وهادف يثري المجتمع ويعزز الوعي بدلًا من أن يكون مجرد صوت يتردد في فضاء واسع دون تأثير حقيقي، إن التقييم الشامل والمتوازن يضمن استمرارية الخطاب القوي، ويمنع الخطيب من التنازل عن رؤيته وأهدافه.

إن النجاح الحقيقي للخطيب لا يُقاس بحجم الجمهور في القاعة، ولا بكثرة إشارات الإعجاب، بل بمدى التغيير الذي يحدثه في نفوس الحضور ومدى التوافق بين كلماته وأهدافه التي لم يتخل عنها، فلتكن أهدافك، أيها الخطيب، هي البوصلة التي لا تفارقك، والنجاح الحقيقي أن تظل وفيًا لها مهما كانت المغريات.

بروفيسور في الكيمياء وأكاديمي بجامعة السلطان قابوس
كلية العلوم - جامعة السلطان قابوس