آخر تحديث: 11 / 6 / 2026م - 1:40 م

كيف أعاد التحول الصحي تعريف الممارسة الطبية؟

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في عام 2010، وبعد حصولي على زمالة طب الأسرة، اتخذت قرارًا لم يكن تقليديًا في مسار كثير من الأطباء، وهو الالتحاق ببرنامج ماجستير في الصحة العامة، تخصص إدارة الأنظمة الصحية والجودة. خلال المقابلة، لم يكن التركيز على الشهادة بقدر ما كان على الاتجاه. من قابلني لمس شغفي بطب الأسرة، ثم قال لي جملة لا تزال عالقة في ذهني حتى اليوم: الآن ستدرسين مجالًا يمكنك فيه تحسين النظام الصحي والرعاية الأولية، وليس فقط ممارسة الطب.

في ذلك الوقت، بدا الحديث أقرب إلى الطرح الأكاديمي منه إلى الواقع التطبيقي. درست الخصخصة كنموذج، والحوكمة، والأثر الاقتصادي، وقرأت وبحثت وكتبت أوراق عمل وأبحاث ومقالات عن كفاءتها التشغيلية، وعن قدرتها على ضبط الموارد، وعن التحديات المرتبطة بها، خصوصًا ما يتصل بالعدالة وجودة الرعاية وضغوط الأداء. كان كل ذلك مادة علمية تُناقش وتُحلل وتُقارن بين تجارب دولية، دون أن نشعر بأننا سنكون جزءًا مباشرًا منها بعد سنوات قليلة.

اليوم، في عام 2026، لم يعد ذلك الطرح نظريًا. التحول الصحي أصبح واقعًا فعليًا يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الطبيب والنظام، وبين الممارسة الطبية والإدارة التشغيلية. لم يعد السؤال: من يوظف الطبيب، بل كيف يُدار، وتحت أي منظومة يُقاس أداؤه.

أتذكر كيف كان الطبيب يمارس عمله في النموذج التقليدي. كان هو محور الخدمة، يقف في قلب العملية الصحية بهامش واسع من الاستقلالية، وبثقة تُبنى على خبرته وتقديره المهني. كانت العيادات مزدحمة أحيانًا، والموارد ليست دائمًا مثالية، لكن القرار السريري كان في الغالب محميًا من الضغوط المباشرة. لم تكن هناك مؤشرات دقيقة تقيس كل تفصيلة، وكان التقييم في كثير من الأحيان عامًا، لكنه كان يترك مساحة للإنسانية والتفكير والتعامل مع المريض كحالة فريدة لا كرقم.

ذلك النموذج لم يكن خاليًا من التحديات، ومع ذلك كان يحافظ على جوهر المهنة: الطبيب يفكر، يقرر، ويتحمل مسؤولية قراره.

ثم جاء نموذج الشركات، ومعه تغيرت ملامح المشهد. لم يعد الطبيب يعمل داخل إطار مهني فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة تشغيلية تُقاس فيها التفاصيل بدقة. ظهرت مفاهيم لم تكن حاضرة بنفس القوة من قبل: مؤشرات الأداء، زمن الزيارة، إنتاجية العيادة، إدارة تدفق المرضى. أصبحت الكفاءة هدفًا معلنًا، والقياس أداة أساسية، والمساءلة أكثر وضوحًا.

لا يمكن إنكار أن هذا التحول حقق مكاسب ملموسة، ولكن عندما يصبح التركيز على عدد المرضى أكبر من التركيز على نتائجهم يبدأ التوازن الدقيق في الممارسة الطبية بالتغير. الطبيب، الذي كان يُنظر إليه كصاحب قرار سريري، قد يجد نفسه تدريجيًا ضمن معادلة إنتاجية يُقاس فيها بما ينجزه في الساعة، لا بما يحققه من أثر.

النظر إلى التجارب العالمية يعزز هذا الفهم. في المملكة المتحدة، حيث تم إدخال أدوات قياس الأداء داخل النظام العام، تحسن الوصول للخدمة في مراحل معينة، لكن الضغط على الأطباء ازداد، وظهرت تحديات مرتبطة بالاحتراق المهني. في الولايات المتحدة، النموذج المؤسسي القائم على التأمين والسوق حقق كفاءة تشغيلية عالية وتسارعًا في الابتكار، لكنه جاء بتكلفة مرتفعة وتفاوت في الوصول إلى الخدمة. هذه النماذج لا تقول إن هناك طريقًا واحدًا صحيحًا، بل تؤكد أن القيمة الحقيقية تكمن في كيفية التطبيق.

في نهاية المطاف، ما نعيشه اليوم هو مرحلة انتقالية مؤثرة، تحمل فرصًا ذهبية لتحسين النظام الصحي، لكنها في الوقت ذاته تختبر قدرتنا على الحفاظ على جوهر المهنة.

السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا ليس كم خدمة قدمنا، ولا كم مريضًا استقبلنا، بل إلى أي مدى كانت هذه الخدمات مجدية، وإلى أي حد أثرت فعليًا في حياة من وثقوا بنا.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي