آخر تحديث: 15 / 6 / 2026م - 9:38 م

كم نرجسيًا يحيط بك؟ ابدأ العد من نفسك

المهندس أمير الصالح *

هل حصرت يومًا ما عدد الطيبين الذين يحيطون بك؟! هل حددت يومًا ما معاييرك التي تستخدمها لتقول: هذا شخص طيب، وهذا شخص متعاون، وهذا شخص مغرور، وهذا شخص نرجسي؟! هل معاييرك المزاجية هي الفيصل في تصنيف الناس الذين يتعاملون معك، أم أن هناك معايير عقلائية موضوعية تتجاوز تشخيصك أو لم تسمع بها بعد؟! وإذا طبقت معايير الحكماء والعقلاء، فكم شخص نرجسي وكم شخص مغرور يعيشون من حولك؟! حتمًا لم تنتبه لهذا النوع من الأسئلة من قبل؟! فقد تكون ساذجًا حدَّ الاستغفال، أو معاديًا للجميع حدَّ الفجور في الخصومة، أو معتدلًا في قراءة سلوك الناس ممن يحيطون بك. لطفًا أكمل قراءة المقال قبل الإجابة عن أيٍّ من تلك الأسئلة.

حوار

قبل البدء بالعد للأفراد والإجابة برقم عن الأسئلة الواردة أعلاه، أخبرني أولًا عن نفسك وسلوكياتك! هل تعتمد أنت آليات حب الظهور الصارخ والحساسية للنقد من الآخرين لك، ونقدك للآخرين في كل صغيرة وكبيرة دون أي اعتبار، والرغبة الجامحة بالتقدير لك من الآخرين حتى لأتفه الأعمال، واللوم للآخرين لأي إخفاق صدر عنهم، واتهام الآخرين الدائم بالتقصير نحوك أو نحو الآخرين للتشفي منهم أو تقزيم كرامتهم، ودوام الإنكار والتنصل عن المسؤولية عند الإخفاق، والتهرب من النقاش الجاد إذا أحسست بالخسران، وتحويل مسار النقاش دون أي مبرر أو تمهيد، والتحول عاطفيًا لقضم مواقف تعاطف من يتحدث معك دون أي وجه حق، والتجييش في معاداة من لا يروق لك، وتعليل كل أنواع الفشل التي تقع بها على الظروف وبعض الأفراد؟ حينئذ انتبه من نفسك وحاسبها أولًا قبل أن تتهم الآخرين بأنهم نرجسيون وتبدأ بالتعداد لهم! فقد تكون أنت أولهم دون إدراك منك!!

من جانبٍ آخر، هل أنت ناكرًا لذاتك، محبًا للخير لغيرك كما تحبه لنفسك، أم أنك معطاء تجود بما في يدك، أم أنك محب للفضيلة والتعامل الراقي حتى مع من أساء لك، ومتواضع مع الجميع حتى المعدم منهم؟ حينئذ ابدأ من نفسك واحسبها مع قائمة الطيبين الذين يحيطون بك! فأنت أولى بنفسك في التعامل معها حتى دون إدراك منك!!

الوعي بالنفس

في العصر الحديث، التشخيص الدقيق لمرض النرجسية صعب لكثرة التداخلات مع سمات أمراض أخرى كاضطرابات سلوكية مؤقتة، واحتمال أن يحدث خطأ في تشخيص الحالة وارد بدرجة مرتفعة. إلا أنه عندما تكون الأعراض النرجسية واضحة ومستقرة منذ سنوات عند الشخص المعني، وتسبب مشكلات متكررة له في العلاقات مع المحيط والعمل والبيت والشارع، فإن المختصين النفسيين ذوي الخبرة يستطيعون بسهولة الوصول إلى تشخيص نفسي موثوق بدرجة عالية. ومن بعدها يبدأ العلاج والمداواة.

هل الإنسان المغرور نرجسي بطبعه

الغرور اعتداد بالنفس غير منطقي وغير راشد، إلا أن تلازمه في السلوك يجعل المحيطين بالشخص المغرور يبنون انطباعات عنه، ومع الوقت تضطرب العلاقات مع محيطه الاجتماعي، فقد يتحول، إن لم يستدرك نفسه، إلى مصاب بالنرجسية.

السوشيال ميديا تكشف بعض المستور

صدر كتاب بعنوان ”Reading People“ «قراءة الناس»، يسلط الضوء على فهم الناس وتوقع تصرفاتهم في أي مكان وأي وقت. صدر الكتاب عام 1998 للسيدة Jo-Ellan Dimitrius وMark Mazzarella. وفي عالم المال والأعمال وحتى السياسة وألعاب القمار، وحتى إدارة العقود والحشود والحل والترحال، فإن قراءة الناس أمر مهم جدًا.

ولعل ما يميز هذا العصر هو انتشار تطبيقات السوشيال ميديا. فالسوشيال ميديا، مثل تطبيق سناب شات والتيك توك والواتس آب والفيس بوك والتيلغرام، ساعدت في تشخيص أنماط سلوك البعض من أبناء المجتمع، سواء كانوا انطوائيين أو تفاعليين أو انحرافيين أو جادين أو هادفين أو تافهين أو متدينين أو علمانيين أو ليبراليين أو لادينيين أو مناكفين أو مصلحيين أو سخيفين أو أصحاب قيم. وكذلك أعطت انطباعات عن أشخاص سعوا بكل الوسائل المتاحة في العالم الرقمي لإبراز أنفسهم عبر أنماط ووسائل غير مهذبة أو غير متعارف عليها اجتماعيًا أو مستنكرة، وآخرين عبر تقديم محتوى هادف وقصص معبرة ومحاضرات هادفة وشرح نافع وعلم صالح.

وعليه، نتمنى من البعض مراقبة محتواهم اللفظي والرقمي الذي يصنعونه، ومحاسبة سلوكياتهم التي تصدر منهم قبل استشراء أعراض النرجسية في أنفسهم. نعم، لا يمكن تشخيص شخص مصاب بالنرجسية من خلال السوشيال ميديا، ولكن القرائن تتكلم، ووضع النقاط على الحروف يصوغ المعنى المراد البوح به.

منع ظاهرة صنع النرجسيين في المجتمع:

لست مختصًا ولا عالمًا، ولكن نتذاكر سويًا بعض الأمور التي قد تحد من انتشار بلاء النرجسية في المجتمع، ومنها على سبيل المثال:

1 - غرس مفهوم التواضع وإنكار الذات وحب المجتمع وعدم معاداة المجتمع منذ الصغر.

2 - المثابرة على التربية الأسرية الصالحة والمعتمدة على التعاون والتضحية وتحمل المسؤولية والحوار الهادف والالتزام بقيم الفضيلة والتغافل في بعض الأشياء لإدامة العلاقات الإنسانية السامية.

3 - تجذير الوعي بالنفس ومراقبة السلوك الذاتي لتهذيب أي اعوجاج قد يطرأ نتيجة منصب وظيفي أو دخل مالي عالٍ أو رابطة دم معينة أو ولوج مجالس وجهاء أو إحراز شهادة عليا أو إحراز ثروة مالية كبيرة.

4 - مجالسة الحكماء والعقلاء المحفزين على الوعي وتربية الذات وحسن السلوك، والعمل على خلق بيئة اجتماعية حاضنة نافعة علمًا وعملًا وأفكارًا وسلوكًا ومنهجَ حياة.

5 - إثراء التجارب الشخصية عبر التأمل تارة، وعبر التدارس تارة أخرى، لاستحصال النضج الذاتي وتقويم الذات.

بحمد الله، الأغلب محاط بكم كبير من الناس الطيبين، ولكن بعض الضوضاء من بعض النرجسيين أو أشباه النرجسيين، وإن قل عددهم، فإنهم يسرقون الأضواء لتسليطها على أنفسهم وجعل محور الكون أنفسهم. فانصحوهم وناصحوهم قبل استشراء البلاء في أحشائهم وأحشاء جلسائهم وندمائهم؛ فيخسرون ويخسر المجتمع بعض طاقاته.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الهوى، وعقله عن الجهل، فقد سلك طريق النجاة».