آخر تحديث: 15 / 6 / 2026م - 9:38 م

لقاء مع أستاذتي

فاطمة العجمي

قد نلتقي بأشخاص لم نرهم منذ فترة طويلة، فنكتفي معهم ببضع كلمات من التحية والسؤال عن الحال، ثم نمضي في طريقنا ظانّين أن ذلك اللقاء كان موقفًا عابرًا لا يستحق التوقف عنده.

لكن الحقيقة أن الأشخاص الذين نلتقي بهم هم رسائل من الله، إمّا أن نكسب منهم شيئًا يضيء أرواحنا، أو نكون نحن سببًا في زرع أثرٍ طيب في نفوسهم.

التقيت بأستاذتي يومًا ما، ولم يدم حديثنا سوى دقائق معدودة، تبادلنا فيها كلمات قليلة، لكنها زرعت داخلي معنى لا يزال يتردد في أعماقي. سألتني قائلة: «لم نعد نقرأ لكِ مقالات منذ فترة؟».

كان سؤالًا يبدو عاديًا في ظاهره، لكنه أيقظ في داخلي شيئًا كاد أن يخبو.

ذكّرني بالكلمات التي كنت أخطّها، وبالأثر الذي قد نصنعه دون أن نشعر، وبأن هناك من ينتظر ما نكتب، ويأنس بما نشاركه من أفكار ومشاعر.

حينها أدركت أن الإنسان قد يظن أن غيابه لا يلاحظه أحد، وأن ما يقدّمه أمرًا يسيرًا يمكن الاستغناء عنه، حتى تلتقي بهذه النوعية من الأشخاص طيّبة القلب، الصادقة في مشاعرها، فتزرع فيك روحًا جديدة وتعيد إليك شغفًا يزهر من جديد.

بعض الكلمات لا تصنع يومنا فحسب، بل تعيدنا إلى أنفسنا، وتذكّرنا بما نحب، وبالرسالة التي خُلقنا لنؤديها.

لذلك، لا تستهينوا بالكلمة الطيبة، فقد تكون سببًا في إحياء حلم، أو بعث همّة، أو إعادة روح إلى طريق كادت أن تنساه.

إن بعض اللقاءات في حياتنا تترك أثرًا لا تصنعه السنوات، بل تصنعه الكلمات الصادقة التي تأتي في وقتها المناسب.

فالكلمة إمّا أن تكون بلسمًا تطيب به الجراح، أو نسمةً تنعش بها روحًا أنهكتها الحياة، وإمّا أن تكون أداةً حادّة تجرح بها القلوب. ونعوذ بالله أن نكون من أصحاب الكلمة التي تؤذي وتكسر.

عوّد نفسك على القول الجميل والفعل الحسن، ولتكن لك في كل موقف، وفي كل لقاء، بصمة وأثرًا جميلًا يبقى في ذاكرة من يلقاه، حتى يسعد الناس بلقائك، ويتمنّوا صحبتك ومرافقتك.

وقد يحتاج ذلك منّا إلى شيء من التدريب، ومجاهدة النفس، ومحاسبتها على كل كلمة وفعل يصدران منها.

فكما نراجع أعمالنا، ينبغي أن نراجع ألسنتنا. لأن كثيرًا من القلوب تُبنى بكلمة، وكثيرًا منها يُهدم بكلمة.

وتذكّر دائمًا أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. فكلماتك الراقية دليل رقيّك، فالمرء مخبوء تحت طيّ لسانه، وما يفيض على اللسان ليس إلا ترجمانًا لما في القلب.

فإن كان القلب عامرًا بالإيمان والرحمة، انعكست تلك المعاني سلوكًا عمليًا، وترشّحت على الجوارح قولًا وفعلًا،

فعليك أن تختار إمّا أن تكون رسالة خير، ومصدرًا للأمان، وأثرًا جميلًا يبقى في ذاكرة من يلقاه، وإمّا أن يكون لسانك سببًا في نفور القلوب منك.