كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي؟ «1»
ورد عن الإمام الحسين
: «إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ» [جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص 427].
كيف يمكن لنا أن نصف مسيرة ودروب الإنسان في هذه الحياة، وهو ينتقل من مرحلة إلى أخرى مواجهًا مختلف الصعوبات والعراقيل، والتي تمتزج مع قدراته وإرادته لتصنع موقفًا واتجاهًا وتحيّزًا نحو ضفة معينة تتأرجح بين الصعود والانكسار؟
الإنسان في مسيرته الطويلة فوق هذه الأرض لا يمضي في دروب مفروشة بالطمأنينة الدائمة والراحة النفسية المستدامة، بل ما هو مشاهد بالوجدان هو اصطباغ حياته بألوان الكدر والبؤس والتعب وشمس الهجيرة للآلام النفسية والبدنية، إذ يمكن تعريف وتلخيص مسيرته وحياته بأن الإنسان كائن يُبتلى ويواجه محطات الاختبار الواحدة تلو الأخرى دون توقف مهما بذل من جهد وتميّز فكري في إدارة حياته وخطواته، فلا يعيش في ظلال الأمن النفسي المستمر أو التفيّؤ بظروف مؤاتية ومريحة، بل تتناوب عليه المحطات المختلفة في وقعها وألوانها بين الأحزان والشدائد من جهة، والرخاء والأفراح من جهة أخرى. فبينما هو يحيا نشوة الانتصار وتحقيق بعض الإنجازات والظفر بالأهداف المرسومة لحياته بحكمة ووعي، تطل عليه الانكسارات بوجهها الكالح وتسلب منه ما كان عليه. هكذا شاءت الحكمة الإلهية أن تسير حياة الإنسان وفق سنن إلهية تدير شؤونهم، فالدنيا دار امتحان لا دار قرار، وموطن عبور لا موطن إقامة، قال تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4].
فالكبد سنة من سنن الحياة، والتعب جزء من طبيعة الوجود الإنساني، فيحيا الفرد روح الأمل والرجاء والعمل المثابر والإرادة القوية في مواجهة العراقيل والصعاب، فهذا الكائن المكرّم من الله تعالى وهبه العقل المفكر والهمة والإرادة في صنع حياة هادئة ومستقرة بشكل عام، بسبب ما يمتلكه من قدرات نفسية ووجدانية تتعايش وتتكيّف مع الظروف الصعبة، فلا تغيب عنه نسائم الأمل والطموح والتطلّع لغد ومستقبل مشرق وأفضل.
ما من إنسان إلا وذاق لونًا من ألوان الحزن والألم الذي يعتصر فؤاده، فمنهم من يحزن لفقد حبيب، ومنهم من يضيق لفوات أمانيه، ومنهم من يرهقه خوف المستقبل، ومنهم من يتألم من ظلم الناس أو غدرهم أو خذلانهم. فمن خلال هذه المحطات المؤلمة «البؤس» يمكن اختصار مسيرة البشرية في لون مهم من حياة الناس، وما الفارق بينهم إلا في كيفية التعامل والتعاطي معها وإدارة حياتهم في ظل ظروف صعبة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل نحزن أم لا؟
الحزن والألم جزء من التكوين الإنساني لا ينبغي التغافل عنه وتجاهل عوامله، ولكن المهم هو كيفية التعامل معه عندما يطرق أبواب قلوبنا، وتحويل الألم إلى طاقة بناء لا إلى معول هدم، ومنع الشدائد من أن تتحول إلى حالة شلل تعطل العقل والإرادة ومسيرة الطموح والإنجاز في حياتنا.













