آخر تحديث: 16 / 6 / 2026م - 9:04 م

بكلِّ عاشوراء… أمنٌ وأمان

عماد آل عبيدان

ثمة مشاهد لا تكتبها القرارات وحدها.. ولا تصنعها العواطف وحدها.

مشاهد تتكون على مهل من آلاف التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها أحد.. مع أنها هي التي تحفظ الصورة كاملة من التصدع.

في كل عام.. ومع اقتراب عاشوراء.. تتجه الأنظار إلى المجالس والخطباء والجموع.. غير أن خلف هذه الصورة طبقة أخرى من العمل لا تظهر كثيرًا.

طبقة تشبه الجذور التي لا يراها المار فوق الأرض.. مع أن الشجرة كلها قائمة عليها.

فالمشهد الذي يراه الناس في ليلة واحدة.. تسبقه أيام من الترتيب.. وساعات طويلة من المتابعة.. وعقول كثيرة تفكر في أدق التفاصيل التي قد لا تخطر على بال أحد.

وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطًا.

مجلس يبدأ..

ومركبات تصل..

وجموع تدخل وتخرج..

وطريق يبقى مفتوحًا..

ومريض يعبر إلى المستشفى دون تأخير..

وسيارة إسعاف تجد مسارها في اللحظة التي تحتاجها..

وأطفال يعودون إلى بيوتهم آمنين.

غير أن هذه الأمور التي تبدو عادية هي في الحقيقة نتيجة عمل متواصل تتداخل فيه مسؤوليات كثيرة حتى يغدو النظام جزءًا من المشهد دون أن يشعر به أحد.

والنجاح الحقيقي لأي مجتمع لا يظهر عندما تسير الأمور في الظروف السهلة.

قيمته تتجلى عندما تجتمع أعداد كبيرة في مساحة واحدة ثم تغادر وقد بقي كل شيء في مكانه بأمن وأمان.

وهذا ما يلفت النظر في القطيف عامًا بعد عام.

فالموسم لا تديره جهة واحدة..

ولا تنهض به مؤسسة واحدة..

ولا يعتمد على تعليمات مكتوبة فحسب.

هناك وعي اجتماعي تراكم عبر سنوات طويلة حتى أصبح سلوكًا عامًا.

ترى أحدهم يفسح الطريق قبل أن يُطلب منه..

وترى آخر ينبه إلى ملاحظة صغيرة ظنًا منه أنها قد تمنع مشكلة كبيرة..

وترى رجل المرور واقفًا عند مفترقٍ حفظ تفاصيله من كثرة ما رافقه عامًا بعد عام.. يراقب حركة المركبات بعين لا تنشغل بتفصيل عن تفصيل.

وعلى مقربة منه متطوع يوجه القادمين.. وآخر يساعد كبار السن.. وثالث يتابع ممرات المشاة.

وفي مكان آخر ينتشر رجال الأمن على امتداد المشهد.. لا يلفتون الأنظار بقدر ما يلفت النظر أثر وجودهم.. فحيث تتقاطع الطرق.. وحيث تزدحم الحركة.. وحيث تحتاج الأمور إلى معالجة سريعة أو قرار حاسم.. تجد حضورهم جزءًا من انتظام الصورة كلها.

وبين هؤلاء جميعًا تنشأ لغة من التعاون لا تحتاج إلى شرح.

فكل واحد منهم يعرف موضعه.. ويعرف ما ينتظره الآخرون منه.

وأحيانًا تكون البطولة كلها في خطوة لم تحدث.

حادث كان يمكن أن يقع ثم لم يقع..

وازدحام كان يمكن أن يتفاقم ثم انفرج..

ومشكلة كانت في طريقها إلى الاتساع ثم انتهت قبل أن تبدأ.

لهذا تكمن براعة المنظومة الأمنية في المشكلات التي لم يُتح لها أن تكبر.. وفي المواقف التي انتهت قبل أن يشعر بها الناس.

ومن أجمل ما يمكن ملاحظته في مواسم عاشوراء بالقطيف تلك العلاقة الهادئة والفاعلة بين المواطن ورجل الأمن ورجل المرور.

علاقة لا تقوم على الحواجز النفسية ولا على التوجس.

كل طرف يعرف أن الطرف الآخر يؤدي مهمة واحدة وإن اختلف موقعه.

غير أن الغاية واحدة.

حفظ الناس..

وحماية الأرواح..

وضمان سير الأمور على الوجه الذي يليق بالمناسبة ويليق بالوطن.

ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أيضًا.. أنها لا تُبنى خلال عشرة أيام.

إنها حصيلة سنوات من الثقة المتبادلة.

فكلما ازداد التعاون ترسخت الثقة..

وكلما ترسخت الثقة أصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة مواسمه ومناسباته بأعلى درجات الوعي تحت مظلة الوطن والمجتمع.

ومن يتأمل المشهد جيدًا يكتشف أن النظام ليس مجموعة حواجز وإشارات وتعليمات فقط.

النظام في جوهره احترام.

احترام للطريق..

واحترام للآخرين..

واحترام لحق المريض في الوصول إلى علاجه..

واحترام لحق المسافر في عبور الطريق..

واحترام لحق الجار في راحته..

واحترام للمكان الذي نعيش فيه جميعًا..

واحترام للوطن.

ولهذا كان المعنى العميق لعبارة أن المواطن رجل الأمن الأول معنىً يتجاوز حدود الكلمات.

فلا توجد جهة تستطيع أن تكون في كل زاوية..

ولا عين تستطيع أن تراقب كل تفصيلة.

غير أن الإحساس بالمسؤولية إذا استقر في النفوس تحوّل المجتمع كله إلى شريك في الحفظ والرعاية.

وقد تبدو بعض الإجراءات التنظيمية صغيرة الحجم في ظاهرها.. غير أن أثرها يمتد إلى المشهد كله.

فكم من ارتباك كبير كانت بدايته تفصيلة صغيرة لم يمنحها أحد ما تستحقه من عناية.

ومن المشاهد التي تستحق التوقف عندها.. أن آلاف البشر يتحركون في رقعة محدودة خلال ساعات معدودة.. ثم تنقضي الليلة وقد عبر المريض إلى موعده.. ووصل المسافر إلى طريقه.. وعادت العائلات إلى منازلها.. واستمر نبض الحياة في بقية الأحياء على وتيرته المعتادة.

ولو فُكك هذا المشهد قطعة قطعة.. لاكتشفنا أن وراء كل ساعة هادئة عشرات الساعات من الإعداد والمتابعة والتنسيق.

خلفها عيون ساهرة.. وخطط تسبق الحدث.. ومتابعة لا تنشغل بالأضواء قدر انشغالها بالنتائج.. وجهود تتوزع بين الميدان وغرف المتابعة والطرق والمرافق والخدمات.. حتى يغدو انتظام المشهد أمرًا يراه الناس طبيعيًا.. مع أن وراءه عملًا كبيرًا لا يلتفت إليه كثيرون.

وفي القطيف ثمة صورة تستحق التأمل.

صورة مجتمع يحيي شعائره.. ويحفظ نظامه.. ويتعاون مع مؤسساته ورجالات دولته.. ويمنح أبناءه درسًا عمليًا في معنى الانتماء.

فالوطن ليس أرضًا نعبر فوقها فحسب.

الوطن مسؤولية نحملها.. وتراب ذاكرة وتاريخ وهوية يسكن في الضلوع.. وإرث أجيال نحرص عليه كما نحرص على بيوتنا وأبنائنا.

والوطنية لا تُعرف بكثرة ما يقال عنها.. وإنما بما تتركه من أثر في السلوك اليومي.. وفي احترام النظام.. وفي صيانة أمن الناس وحقوقهم.

ومع كل عاشوراء تتجدد هذه الصورة الوضيئة.

رجال يؤدون واجبهم في الميدان..

وآخرون يتابعون من مواقع لا يراها أحد..

ومتطوعون يهبون أوقاتهم بمحبة..

وأهالٍ يدركون أن المحافظة على النظام ليست خدمة لجهة بعينها.. وإنما وفاء للمدينة وأهلها والوطن كله.

وعندما تجتمع هذه المعاني في مشهد واحد.. تتحول عاشوراء إلى درس عملي في معنى الشراكة بين الوعي والنظام.. وبين المواطن ومؤسسات دولته.

عندها لا يبقى الأمن مهمة جهة واحدة.. ولا يصبح النظام مسؤولية فرد واحد.. وإنما يتحولان إلى ثقافة عامة تسري في المكان كله.

ومع انقضاء الليلة يعود الناس إلى بيوتهم.. وتبقى خلفهم صورة مدينة أدّت شعائرها.. وحفظت نظامها.. وقدّمت درسًا آخر في أن الأوطان تزدهر حين يعمل الجميع لها.. لا حين ينتظر كل واحد أن يعمل الآخرون عنه.