عاشوراء.. جودة حياة
انبعثت النهضة الحسينية من وحي الرسالة ومن بيت من بيوت تتنزل فيه الملائكة ومهبط الوحي، بيت دعوة الحق والصراط المستقيم، فكانت البداية محمدية والبقاء والاستمرارية حسينية، وأصبحت مشعلًا ينير الدرب لكل المخلصين من أجل حياة لها معنى وجودة وقرب لله تعالى.
نهضة الإمام الحسين
في أبعادها المختلفة ودلالاتها المتنوعة هي امتداد واضح لرسالة جده ﷺ واستمرار لخط باب العلم ويعسوب الدين الإمام علي
، وفي هذه الأيام تستحضر هذه القيم وتبين عمقها وتأصلها وتجلياتها ومدى تأثيرها على المنتمين لها وتحقق شعاراتها على الواقع المعاش ومصداقية العلاقة ومدى القناعة بها وترسيخ أخلاقياته على الفرد والمجتمع والعالم، فالإمام الحسين
جسد كل القيم والمبادئ الأخلاقية منذ لحظة قراره بالخروج حتى لحظة شهادته المباركة، إنه يدعو ويشفق وينصح من خرج لقتاله، وهو العارف بالمعسكر الآخر وما يمتلكون في قلوبهم من وحشية وأحقاد بأبشع صورها والخسة بأجلى مظاهرها، وهي قيل: «أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء»، هذا ما طبق على أرض الواقع في يوم عاشوراء بحق من قال عنه الرسول ﷺ: «سيد شباب أهل الجنة»، وأقوال كثيرة تبين عظمته ومكانته عند الله سبحانه وتعالى.
إن النهضة المباركة في يوم عاشوراء المجيد كانت أوضح مثال على ارتباط النبي ﷺ والإمام الحسين
والرسالة مع النهضة، والطريق خط مستقيم هو نورٌ لا ينقطع ضوؤه ينطلق من عنان السماء ليضيء لأهل الأرض ما هم عليه من ظلام، أثرٌ باقٍ حتى تقوم الساعة، واقع انفرد الإمام الحسين
بواجب استمراريته وبقائه، وهو تكريم رباني واختيار من عند الله سبحانه وتعالى، تجسدت فيه أهداف الرسالة المحمدية، قدم فيه الإمام الحسين
الأنفس الزكية قرابين من أجل إرساء مجتمع فاضل، في واقعة لن تتكرر بل وجدت من أجل أن تكون مدرسة للبشرية عامة، فكانت الشرارة التي بدأت لتستمر وخطوة حكيمة من أهل بيت الحكمة
، كان جل تاريخهم التضحية والفداء والوفاء للقيم مهما كانت التكلفة لتصويب الانحراف الذي طرأ على الأمة ومدرسة لما سوف يطرأ على الأمم في المستقبل، ليتعلم من هذه النهضة جودة الحياة كما أمر الله تعالى بها، تتجدد مع مراحل الحياة لتكون أنموذجًا لكل زمان ومكان، لتخرج للواقع من يدافع عن القيم ويضحي من أجل ذلك، على مر التاريخ.
تابع الصادقون والمضحون والصالحون السير على المنهج الحسيني رغم كل الصعوبات التي كانت تقف في طريقهم، لم يكن طريق الإمام الحسين
ومن اتبع خطاه مفروشًا بالورود، بل سقاه المضحون بدماء طاهرة وأنفس زكية، أخذوا من نهضة الإمام الحسين
معاني الفداء والإيثار فهانت عليهم الصعاب ووطنوا أنفسهم الأبية وقلوبهم الطاهرة أن يكونوا في صف الإمام الحسين
، كان استشهاده هزة أيقظت الضمائر وعامل بعث للإرادة وتراجع عن الانحدار وتحمل المسؤولية في مواجهة الانحراف في العقيدة.
فالنهضة بكل المعايير كان لا بد من أن تخلق كمشروع إنقاذ واستمرارية، فالحاجة كانت ماسة ومصيرية لبقاء الدين واستمرار المشروع الإسلامي وإصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا المشروع الرباني مهما كلف الأمر وبلغت التضحيات بخلق ردة فعل تطهر قلوب الأمة ويستفاد منها لمستقبل البشرية في كل الأزمان التي تحتاج إلى مشروع إنقاذ، فالواقع على الأرض إن نهضة الإمام الحسين غيّرت مسارات كثيرة من حياة الأمم.













