رجالٌ لم يبيعوا آخرتهم بدنيا غيرهم
لم يكن أنصار الحسين
رجالَ ساعةٍ عابرة، ولا أصحابَ حماسةٍ حائرة؛ كانوا قممًا إذا ادلهمّ الظلام أنارت، ونجومًا إذا اضطربت الأرض أشارت، وقلوبًا عرفت الحق فاستقرت، وأرواحًا سمعت نداء السماء فأقبلت وما تأخرت.
في كربلاء لم تكن المعركة بين سيوفٍ وسيوف، بل بين ضميرٍ وخوف، بين مبدأٍ ومكسب، بين جنةٍ تُطلب ونارٍ تُرتكب. هناك ظهر الرجال على حقيقتهم؛ فمن باع دينه بدنياه خسر الدنيا والدين، ومن باع دنياه بدينه ربح الخلد واليقين. أما أنصار الحسين، فقد كانوا أعظم من أن يبيعوا آخرتهم بدنيا غيرهم؛ لم يسجدوا للذهب، ولم يخضعوا للرهب، ولم يبدلوا الولاء بالهواء، ولا الإيمان بالأمان، ولا الموقف بالمصلحة، ولا البصيرة بالعمى.
كانوا يعلمون أن الطريق إلى الحسين قصيرٌ في المسافة، طويلٌ في الكرامة؛ نهايته سهمٌ ورمح، وبدايته عهدٌ وفتح. رأوا الجيوش كثيرة، لكنهم رأوا الحق أكبر؛ ورأوا العطش شديدًا، لكنهم رأوا الجنة أطيب؛ ورأوا الموت قريبًا، لكنهم رأوا الخلود أقرب. فما ارتجف لهم قلب، ولا انكسر لهم عزم، ولا قال أحدهم: وما لي ولحسين؟ بل قالوا بلسان الحال قبل المقال: أنفسنا دون نفسك، ودماؤنا دون دمك، وأرواحنا جسرٌ لعبور حقك.
إن أعظم الخسائر أن يبيع الإنسان آخرته لمنصب زائل، أو مالٍ مائل، أو جاهٍ حائل، أو رضا بشرٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. وأعظم الأرباح أن يقف مع الحق ولو قلّ الناصر، وأن يصبر مع المبدأ ولو كثر الكاسر.
سلامٌ على أنصار الحسين؛ رجالٌ إذا ذُكر الوفاء كانوا عنوانه، وإذا ذُكرت الشجاعة كانوا برهانه، وإذا ذُكر الثبات كانوا ميزانه. لم يربحوا معركة الأرض، لكنهم ربحوا محكمة السماء؛ فصاروا في الدنيا ذكرًا، وفي الآخرة فخرًا، وعلى جبين التاريخ نورًا لا ينطفئ.













