عاشوراءُ وتأثيرُ الفطرة
يعيش الإنسان عمره وهو يتعلم أشياء كثيرة.
يتعلم لغة جديدة.. أو مهنة جديدة.. أو طريقة مختلفة للنظر إلى الحياة.
أما التأثر الحقيقي فلا يُلقَّن كما تُلقَّن المعلومات ولا يُزرع بالأوامر ولا ينمو تحت ضغط التعليمات.
له طريق آخر أكثر عمقًا.
ولهذا يثير التأمل أن ترى طفلًا صغيرًا لم يعش من الدنيا إلا سنوات قليلة ثم تقف أمام أثر عاشوراء فيه.
لا يحمل ذاكرة طويلة ولا يعرف تفاصيل التاريخ كما يعرفها الباحثون ولا قرأ الكتب التي قرأها الخطباء والكتّاب ولا عبر دهاليز الجدل التي كثيرًا ما تُثقِل رؤى الكبار وتُحمِّلها ما ليس فيها ومع ذلك يتحرك قلبه نحو الحسين
.
فما الذي يصل إلى هذا العمر الصغير؟
وما الذي يجعله يتفاعل مع قضية حدثت قبل قرون طويلة؟
الجواب لا يكمن في كثرة المعلومات فالإنسان لا يتعلق بالحقائق التاريخية لمجرد وقوعها. وإنما يتعلق بالقيم التي تسكن داخلها.
فالطفل قد لا يعرف تفاصيل المعركة ولكنه يفهم معنى العطش.
وقد لا يحفظ أسماء الرجال ولكنه يشعر بمعنى الوفاء.
وقد لا يستوعب مجريات الأحداث كلها غير أنه يدرك بفطرته أن هناك مظلومًا يستحق المحبة وأن هناك موقفًا يستحق الاحترام.
لهذا بقيت عاشوراء حية.
فهي لم تعتمد يومًا على الذاكرة وحدها. وكان مستندها ما يستقر في أعماق الإنسان قبل كل ذاكرة.
اعتمدت على طبيعة الإنسان نفسها.
فالعدل محبوب قبل أن يُدرَّس.. والرحمة محبوبة قبل أن تُعرَّف.. والوفاء يلامس القلوب قبل أن تتحول معانيه إلى مصطلحات.
ومن هنا نفهم سرًّا مهمًا من أسرار الامتداد الحسيني.
لم تكتفِ عاشوراء بمخاطبة العقول بعد اكتمالها وإنما وجدت طريقها إلى الإنسان في بدايات تكوّنه الأولى إلى تلك المساحة التي تتشكل فيها القيم قبل أن تتشكل الآراء..
وصلت إلى الفطرة.
ولهذا نرى أحيانًا طفلًا تلامسه كلمة أو مشهد أو مجلس على نحو يفوق كثيرًا ما تفعله في بعض الكبار. فالكبار تراكمت فوق قلوبهم مشاغل الحياة وهمومها وحساباتها الكثيرة.
أما الطفل فما زالت أرضه طازجة تشبه التربة التي تستقبل المطر الأول..
وكلما كانت الأرض أنقى كان أثر الغيث أعمق.
وهذه المشاهد تكشف أن التربية ليست محاضرة طويلة تُلقى في ساعة..
فالتربية مناخ كامل..
وصورة يراها الطفل..
ومجلس يجلس فيه..
وقصة يسمعها..
ودمعة يلمحها في عين والده أو والدته..
وكلمة حب تتكرر أمامه حتى تستقر في وجدانه دون أن يشعر.
ثم يأتي يوم يظهر فيه كل ذلك دفعة واحدة فيظن بعض الناس أن المشهد وُلد في تلك اللحظة..
والحقيقة أنه كان يمد جذوره في القلب منذ زمن دون أن يلتفت إليه أحد.
ولعل القيمة الثمينة في هذه المشاهد أنها تمنح الكبار درسًا أيضًا. فالطفل لا يسأل عن المكاسب.. ولا عن الشهرة.. ولا عن المصالح إنما ينجذب إلى المعنى الصافي حين يجده..
وكأن الفطرة تقول للكبار..
كلما اقترب الإنسان من نقائه الأول ازداد قدرة على رؤية الجمال الكامن في القيم العظيمة.
لهذا لا ينبغي النظر إلى تأثر الأطفال بعاشوراء على أنه مشهد عاطفي فهو شاهد اجتماعي وتربوي وإنساني بالغ الدلالة.
شاهد يخبرنا أن الحسين
ما زال يدخل البيوت من أبوابها الصحيحة وأن الرسالة ما زالت تجد طريقها إلى القلوب الجديدة وأنّ غرس المحبة الصادقة لا يضيع فما يستقر في القلب صغيرًا يكبر معه.
وقد يتحول يومًا إلى خُلُق نبيل.. أو موقف كريم.. أو إنسان يحمل للناس خيرًا كثيرًا.
فعندما يتجه طفل بقلبه نحو الحسين
. فإنك لا تقف أمام مشهد يخص طفولة بعينها إنما تقف أمام الفطرة وهي تستجيب لما يوافق نقاءها الأول.
ولهذا تمضي القرون وتتبدل الأجيال وتبقى عاشوراء قادرة على أن تجد طريقها إلى القلوب الجديدة لأنها تخاطب في الإنسان شيئًا أقدم من العمر وأعمق من المعرفة وأصدق من كل تفسير.
الفطرة.













