المفاعيل في العربية: هندسةُ المعنى ودقّةُ التصوير في الجملة العربية «3»
يمثّل باب المفاعيل في النحو العربي أحد أعمق أبواب الدلالة وأدقّها؛ إذ لا يكتفي الفعل فيه بذكر الحدث وفاعله، بل يتجاوز ذلك إلى تفصيله وتحديد أبعاده: من وقع عليه، وزمانه، ومكانه، وسببه، وما صاحبه. وبذلك تتحول الجملة العربية إلى بناءٍ حيّ متكامل تتداخل فيه الدلالة مع التصوير البياني.
وينقسم باب المفاعيل إلى خمسة أنواع رئيسة: المفعول به، المفعول المطلق، المفعول فيه، المفعول لأجله، المفعول معه، ولكل نوع وظيفة دلالية خاصة.
مثل: كلمتا «الدرس» و«القرآن»:
• كتبَ الطالبُ الدرسَ في دفتره.
• قرأَ المؤمنُ القرآنَ بتدبّرٍ وخشوع.
ومما جاء في القرآن قوله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177]
مثل كلمة «الصلاة» في قول النبي ﷺ:
«أقيموا الصلاةَ»
مثل
كلمتا ”العيش“ و”الزمان“ في:
أَرَى العَيْشَ لا عَيْشًا إِلَّا بِقُرْبِكُمْ
وَأَجْدُ الزَّمَانَ كُلَّهُ فِي تَغَيُّرِ
مثل:
• نجحَ الطالبُ نجاحًا باهرًا.
• جلسَ الطفلُ جلوسًا هادئًا.
• تقدّمَ الجيشُ تقدّمًا سريعًا.
وكلمة ”تكليمًا“ في قوله تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
وكلمة ”حُبًّا“ في قول الشاعر:
أُحِبُّكَ حُبًّا لَوْ يَفُوقُ تَحَمُّلِي
لَحَمَلْتُهُ قَلْبًا وَلَمْ يَتَشَكَّ
مثل:
• سافرتُ ليلًا إلى المدينة.
• جلستُ أمامَ المدرسةِ أنتظرُ صديقي.
• التقيتُ به يومَ الجمعةِ في المسجد.
وكلمة ”ليل“ في قول الشاعر:
ولليلِ سِرٌّ لا يُفَكُّ طَلَاسِمُهُ
تَسْرِي فِيهِ أَحْزَانُ الْوَرَى وَتَغِيبُ
مثل:
• درستُ طلبًا للنجاح.
• سافرتُ بحثًا عن العلم.
• تصدّقتُ ابتغاءَ الأجر.
وكلمة ”ابتغاء“ في قوله تعالى:
﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207]
وكلمة ”شوقًا“ في قول الشاعر:
أَبْكِي الشَّبَابَ شَوْقًا لِلَّذِي ذَهَبَا
لَا مِنْ جُرُوحٍ وَلَكِنْ مِنْ أَسًى وَأَلَمِ
مثل:
• سرتُ والطريقَ طويلٌ.
• خرجتُ والصباحَ يبتسم.
وكلمة ”الريح“ في قول الشاعر:
سِرْتُ وَالرِّيحَ تَشْكُو بَيْنَ أَضْلُعِهِ
كَأَنَّهَا صَاحِبٌ يَبْكِي مَعَ السَّفَرِ
يتبيّن مما سبق؛ أن المفاعيل في العربية ليست أبوابًا إعرابية فحسب، بل منظومة دلالية متكاملة فالمفعول به هو مما يحدد من وقع عليه الفعل، أما المفعول المطلق فهو المصدر الذي يقوّي ويؤكد الحدث، أما المفعول فيه فيحدد الزمان والمكان، وأما المفعول لأجله فهو المصدر الذي يكشف الدافع والسبب، وأخيرًا المفعول معه فيبرز المصاحبة والمشاركة. وبذلك تتحول الجملة العربية إلى لوحة فنية دقيقة، تمتزج فيها الدقة النحوية بجمال البيان، وتلتقي فيها اللغة بالتصوير والإيحاء.













