آخر تحديث: 19 / 6 / 2026م - 9:26 م

من عبق الماضي: محرم وصفر في المجتمع القطيفي

حسن محمد آل ناصر *

حين كان يقترب هلال شهر محرم من الظهور، كانت القطيف قديمًا تستعد لاستقبال موسم يختلف عن سائر مواسم العام، ولم يكن الأمر مقتصرًا على مناسبة دينية محددة أو أيام معدودة من العزاء، بل كان حالة اجتماعية وثقافية وروحية يعيشها المجتمع بأسره، وتنعكس آثارها على البيوت والأسواق والطرقات والمجالس والعلاقات الاجتماعية، فلهذا بقي شهرا محرم وصفر من أكثر المواسم حضورًا في ذاكرة أهل القطيف وأشدها في وجدانهم الجمعي.

كان الأهالي يشعرون بقرب الموسم قبل حلوله بأيام طويلة، فمع اقتراب نهاية شهر ذي الحجة تبدأ الاستعدادات في الحسينيات والمآتم، ويجري تنظيف المجالس وتجهيزها لاستقبال الحضور، فيما ينشغل القائمون عليها بوضع البرامج وترتيب أوقات الخطباء والرواديد الحسينيين، وفي البيوت كذلك كانت الأسر تستعد لدخول الشهر، إذ اعتاد الناس أن يستقبلوه بروح مختلفة تستشعر عظمة المناسبة وما تمثله من ارتباط بقضية الإمام الحسين .

ومع ثبوت دخول شهر محرم تتغير ملامح الحياة العامة في المجتمع القطيفي، فترتفع الرايات السوداء على الحسينيات والمنازل وبعض الأزقة، وتغلب على المجالس والأحاديث أجواء استذكار واقعة كربلاء، وكان القادم إلى القطيف في تلك الأيام يدرك من الوهلة الأولى أنه موسمٌ استثنائيٌّ، إذ تبدو آثار المناسبة واضحة في كل مكان.

ولم تكن الحسينيات مجرد أماكن لإقامة العزاء، بل كانت مؤسسات اجتماعية وثقافية متكاملة، فمن خلالها يتلقى الناس معارفهم الدينية، ويتعرفون على التاريخ الإسلامي، ويتدارسون القضايا الفكرية والاجتماعية، ويتواصل أبناء المجتمع فيما بينهم، وكان المجلس الحسيني يمثل جزءًا أساسيًّا من الحياة اليومية للأهالي، حتى إن كثيرًا من الناس يرتبون أعمالهم ومواعيدهم بما يتناسب مع أوقات المجالس.

ومن الملامح البارزة في محرم القطيف كثرة المآتم والحسينيات وانتشارها في مختلف القرى والمدن، فلكل قرية تقريبًا مجالسها المعروفة وحسينياتها العريقة التي ارتبطت بأسماء أسر وأجيال متعاقبة، وبعض هذه الحسينيات يعود تاريخها إلى أكثر من قرن من الزمن، وشهدت مرور عدد كبير من العلماء والخطباء والرواديد الذين تركوا بصماتهم في الذاكرة الشعبية للمنطقة.

وقد عرفت القطيف منذ زمن بعيد باستقبال الخطباء من مختلف المناطق، سواء أكانوا من البحرين أم من العراق أم غيرهما، وكان قدوم الخطيب إلى القطيف خلال محرم يمثل حدثًا مهمًّا يتناقله الناس، خصوصًا إذا كان من الخطباء المعروفين بعلمهم أو أسلوبهم أو شهرتهم، وكانت المجالس تمتلئ بالحضور الذين يحرصون على الاستماع إلى المحاضرات والقصائد والمراثي التي تروي أحداث كربلاء وتستخلص منها الدروس والعبر.

كما عرفت القطيف جيلًا بعد جيل نخبة من الرواديد والمنشدين الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة محرم، وكانت القصائد الحسينية تحفظ عن ظهر قلب، ويتناقلها الناس بين المجالس والبيوت، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية للمنطقة.

أما الأطفال، فقد كان لمحرم أثر خاص في نفوسهم، فمنذ نعومة أظفارهم كانوا يرافقون آباءهم وأمهاتهم إلى المجالس، ويتعرفون من خلالها على قصة الإمام الحسين وأصحابه، وكان كثير من الأطفال يحفظون أسماء أبطال كربلاء قبل أن يحفظوا كثيرًا من الأحداث التاريخية الأخرى، لأنهم تربوا على سماعها عامًا بعد عام.

ولم يكن حضور الأطفال مقتصرًا على المجالس فحسب، بل كانوا يعيشون تفاصيل الموسم بكل ما فيه من مشاهد وأجواء، فيشاهدون الرايات، ويتابعون حركة الناس، ويحضرون بعض الفعاليات الخاصة بالأطفال، فتتشكل في ذاكرتهم صور تبقى معهم طوال حياتهم.

وكان للمرأة القطيفية دور بارز في إحياء الموسم الحسيني، فإلى جانب حضورها المجالس النسائية، شاركت في تنظيم كثير من الأنشطة المرتبطة بالموسم، وأسهمت في إعداد الضيافة والطعام واستقبال الزائرات، فضلًا عن دورها في نقل القيم والمفاهيم المرتبطة بعاشوراء إلى الأبناء داخل الأسرة، ولذلك كانت المرأة شريكًا أساسيًّا في استمرار هذا الإرث الاجتماعي والديني عبر الأجيال.

ومن أبرز صور التكافل الاجتماعي التي ظهرت خلال محرم وصفر ما يُعرف بالمضايف أو مواكب الضيافة، فقد اعتاد أهل القطيف منذ زمن بعيد على تقديم الطعام والشراب للمعزين والزوار، وكانت العائلات والأسر والمحسنون يتسابقون في خدمة الناس ابتغاءً للأجر والثواب.

وكان إعداد الطعام نفسه مناسبة اجتماعية قائمة بذاتها، إذ يجتمع الرجال والنساء والشباب في أعمال الطبخ والتجهيز والتوزيع، وكثيرًا ما كانت هذه الأعمال تمتد لساعات طويلة وسط أجواء من التعاون والألفة، مما يجعل الموسم مناسبة تتجلى فيها روح العمل الجماعي بأبهى صورها.

ومع اقتراب يومي التاسع والعاشر من محرم تزداد الحركة في القرى والمدن، وتبلغ المجالس ذروة حضورها، وتتحول عاشوراء إلى حدث يشارك فيه الجميع، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، وكانت الشوارع والأحياء المحيطة بالحسينيات تعج بالحركة منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل.

وفي القرى الكبيرة مثل صفوى وسيهات والقديح وتاروت والربيعية والجارودية والتوبي والعوامية وغيرها من بلدات القطيف، كانت أجواء الموسم تمتلك خصوصيتها المميزة، فعلى الرغم من تشابه الجوهر العام للمناسبة، فإن لكل بلدة بعض المظاهر والعادات التي اشتهرت بها عبر السنين، مما أضفى على الموسم ثراءً اجتماعيًّا وثقافيًّا متنوّعًا.

ولم يكن انتهاء العشرة الأولى من محرم يعني انتهاء الموسم، بل كان الأهالي ينظرون إلى محرم وصفر على أنهما موسم واحد متصل، فالمجالس تستمر، والبرامج الدينية تتواصل، والمناسبات المرتبطة بأهل البيت تتوالى حتى نهاية شهر صفر.

وكانت مناسبة الأربعين تحتل مكانة خاصة في وجدان الناس، حيث كانت تشهد المجالس حضورًا واسعًا، وتُستذكر فيها تضحيات الإمام الحسين وأصحابه، كما تستمر المجالس في ذكرى وفاة الرسول الأعظم ﷺ، واستشهاد الإمام الحسن المجتبى ، وذكرى استشهاد الإمام الرضا .

ولأن محرم وصفر كانا يمثلان موسمًا متكاملًا، فقد أسهما في بناء جانب مهم من شخصية المجتمع القطيفي، ففيهما تعلم الناس معاني الصبر والتضحية والإيثار والعدالة، وفيهما نشأت أجيال كاملة على حب المعرفة والقراءة والاستماع إلى الخطب والمحاضرات، وشكلا مناسبة سنوية تتجدد فيها العلاقات الاجتماعية وتتقوى فيها الروابط بين أبناء المجتمع.

ولهذا لم يكن محرم وصفر مجرد ذكرى تاريخية يستعيدها الناس كل عام، بل كانا مدرسة متجددة تُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي والديني لأهالي القطيف، ومن هنا يمكن فهم سر الارتباط العميق الذي حافظت عليه الأجيال المتعاقبة مع هذا الموسم، حتى أصبح جزءًا من هوية المكان وذاكرة الإنسان.

واليوم، ورغم ما طرأ على الحياة من تغيرات كبيرة في وسائل الاتصال وأساليب المعيشة وأنماط الحياة، ما زالت القطيف تستقبل محرم وصفر بذات المحبة والاهتمام، وما زالت كثير من الصور التي عاشها الآباء والأجداد حاضرة بأشكال مختلفة، شاهدة على عمق هذا الإرث الممتد عبر الزمن.

إن الحديث عن محرم وصفر في القطيف ليس حديثًا عن شهرين من السنة فحسب، بل هو حديث عن تاريخ طويل من الذاكرة الجماعية، وعن مجتمع صاغ جزءًا من هويته من خلال هذه المناسبة، وعن أجيالٍ تعاقبت وهي تحمل الشعلة نفسها، لتبقى كربلاء حاضرة في القلوب، ويبقى موسم العزاء واحدًا من أبرز الملامح الثقافية والاجتماعية والدينية في تاريخ القطيف.