آخر تحديث: 20 / 6 / 2026م - 9:46 م

لماذا اختار الإمام الحسين مسلم بن عقيل سفيرًا له؟

محمد الصغير

عندما نقرأ سيرة الإمام الحسين ونتوقف عند اختياره لمسلم بن عقيل سفيرًا إلى الكوفة، نجد أنفسنا أمام سؤال يستحق التأمل: لماذا وقع الاختيار على مسلم دون غيره من أهل البيت وأصحاب الإمام المقرَّبين؟

في العادة لا يختار الإنسان سفيره إلا إذا كان يرى فيه صورة من نفسه، لأن السفير لا ينقل الكلمات فقط، بل ينقل الفكر والموقف والشخصية، ولذلك كانت السفارة من أخطر المهام وأعظمها مسؤولية، خصوصًا عندما تكون الظروف مضطربة، والعدو مترصدًا، كما كان الحال في الكوفة قبل واقعة كربلاء.

الإمام الحسين لم يرسل رسالة مكتوبة فحسب، بل أرسل رجلًا يحمل ثقته الكاملة، ولهذا وصف مسلم بن عقيل بقوله: «إني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي». وهذه العبارة تكشف الكثير من المعاني، فالإمام لم يكتفِ بذكر القرابة، بل أكد عنصر الثقة، وكأنه يريد أن يقول لأهل الكوفة: إن هذا الرجل يمثلني في رأيه وتقديره وموقفه، وإن ما يصدر عنه محل اعتماد عندي.

إن الثقة لا تُمنح بسهولة، خاصة عندما تكون المهمة مصيرية، وقد أثبتت الأيام أن مسلم بن عقيل كان أهلًا لهذه الثقة، فقد واجه ظروفًا شديدة التعقيد، وتعرض للخذلان والوحدة والتهديد، ومع ذلك بقي ثابتًا على موقفه حتى آخر لحظة من حياته، فلم تضعفه المغريات، ولم تخيفه التهديدات، ولم يتراجع عن أداء الأمانة التي حملها.

ومن هنا يبدو أن اختيار الإمام الحسين لمسلم بن عقيل لم يكن قائمًا على رابطة النسب وحدها، بل على اجتماع صفات نادرة في شخصه من الإيمان والشجاعة والحكمة والأمانة وحسن التقدير، فالقرابة قد تمنح المحبة، لكنها لا تكفي وحدها لتحمل المسؤوليات الكبرى، أما الثقة المبنية على الكفاءة والاستقامة فهي التي تجعل الإنسان جديرًا بأن يكون ممثلًا لغيره.

وعندما نتأمل هذا الموقف نجد أنه لا يخص التاريخ وحده، بل يحمل رسالة مهمة لنا في حياتنا المعاصرة، فكل إنسان يحتاج في بعض مراحل حياته إلى شخص يمثله أو ينوب عنه في أمر من الأمور، سواء في العمل أو التجارة أو شؤون الأسرة أو حتى في متابعة بعض مسؤولياته الخاصة، لكن السؤال هو: هل أحسنَّا اختيار من يمثلنا؟

كثير من الناس يختارون من ينوب عنهم بناءً على القرابة أو الصداقة فقط، ثم يكتشفون أن حسن النية وحده لا يكفي، فالنيابة تحتاج إلى الثقة والكفاءة معًا، وهذا ما نتعلمه من موقف الإمام الحسين مع مسلم بن عقيل.

بل يمكن القول إن الإنسان الناجح في هذا الزمن يحتاج إلى ما يشبه السفير الشخصي، شخصًا يعرف توجهاته، ويحفظ أسراره، ويفهم أهدافه، ويمكن الاعتماد عليه عند الغياب أو الانشغال. وليس المقصود منصبًا رسميًا بالضرورة، بل شخصًا يثق به ثقة عميقة، ويطمئن إلى حكمته وأمانته وقدرته على التصرف الصحيح عند الحاجة.

إن وجود مثل هذا الشخص في حياة الإنسان يُعد نعمة كبيرة، لأن بعض المواقف لا تحتمل الخطأ، وبعض القرارات تحتاج إلى من يحمل همومك كما تحملها أنت، ويحرص على مصالحك كما تحرص عليها أنت. ولذلك فإن اختيار السفير الشخصي أو الوكيل أو النائب ينبغي أن يكون مبنيًا على الاختبار الطويل والمعرفة العميقة، لا على العاطفة العابرة أو المجاملة المؤقتة.

إن اختيار الإمام الحسين لمسلم بن عقيل يعلمنا أن أعظم العلاقات ليست تلك التي تقوم على القرب وحده، بل تلك التي يجتمع فيها القرب مع الثقة، والثقة مع الكفاءة. ولهذا بقي اسم مسلم بن عقيل خالدًا في التاريخ، لأنه لم يكن مجرد رسول أو مبعوث، بل كان إنسانًا بلغ من صدق الولاء وسمو الأمانة ما جعله أهلًا لأن يكون سفيرَ الحسين وثقتَه من أهل بيته.