انحياز الوعي: حين يكون اللا حياد ضرورة!
نعيش اليوم في فضاء معرفي وإعلامي لم تُكتب موازينه بإنصاف. سرديات كبرى تمتلك التمويل، والمنصات، والترسانات التكنولوجية، تصيغ التاريخ والواقع وفق مقاساتها وتوجهاتها. في ظل هذه الهيمنة، يُطالَب الكاتب أو الباحث أو صانع المحتوى دوماً بـ ”الحياد“ و”التوازن“ شرطاً للاعتراف بموضوعيته. لكن السؤال الحارق هو: هل الحياد أمام ميزان مختل أساساً يُعد فضيلة؟ أم أنه تواطؤ مضمر لإثقال الكفة الراجحة؟
إن المطالبة بالوقوف على مسافة متساوية بين رواية مهيمنة تمتلك كل أدوات التأثير، وبين صوت خافت يحاول استرداد حقيقته المغيبة، ما هي إلا خدعة أخلاقية بارعة. فالحياد هنا ليس موضوعية، بل هو تثبيت للاختلال وتعميق للاستلاب. وكم من مادة إعلامية صيغت بـ ”موضوعية قشرية“ فساوت بين الجلاد والضحية، وكم من طرح تذرّع بـ ”التوازن العلمي“ فكان في جوهره ترسيخاً للأمر الواقع وتبريراً لمحو الآخر.
لتوضيح هذا الاختلال بعيداً عن التنظير، نجد مثالاً صارخاً في قضية معاصرة ملحة ومرتكزة في عمق موروثنا: معركة استرداد الآثار والقطع التاريخية المشرقية والمصرية من المتاحف الغربية الكبرى.
السردية الإعلامية والأكاديمية السائدة في الغرب تروّج بذكاء لـ ”عالمية“ هذه المتاحف، وتصوّر نفسها حارساً ”محايداً“ وحيداً لإرث البشرية العلمي والتاريخي. وفي المقابل، تُصدّر خطاباً يلمح إلى أن دول الشرق وشعوبه غير مستقرة أو غير مؤهلة تقنياً وأمنياً لحفظ تاريخها وموروثها.
فإذا قرر الكاتب هنا أن يكون ”محايداً“ بالمعنى التقليدي، فسيقع في الفخ تلقائياً، إذ سيمنح وزناً متساوياً لحجة ”المستعمر المستنير“ وحق ”صاحب الأرض الشرعي“. هذا التوازن الوهمي يتحول إلى جريمة معرفية لأنه يعترف ضمناً بشرعية الأدوات التي أوجدت هذا الاختلال وسلبت الموروث أصلاً.
ولعل المضمار الوحيد الذي يكون فيه الحياد عاصماً من الزلل المنهجي، هو حياد ”المسطرة المخبرية“. ففي العلوم الصارمة، يُعد الوقوف على مسافة واحدة من المعطيات شرطاً بنيوياً لإنتاج الحقيقة. بيد أن الوعي هنا يتدخل بذكاء لتحديد الطبيعة والوظيفة البحثية. فالباحث في لغة الأرقام والمادة، يحتاج حتماً إلى مسطرة جافة، باردة، ومجردة من العاطفة لتسجيل الظاهرة وتفسيرها. أما الباحث في التاريخ والمجتمع، فهو يغوص في بحرٍ يغلي بصراع السرديات وتدافع الإرادات.
نعم، قد يتحرك الحقلان معاً تحت مظلة ”البحث العلمي“، وقد تبدو الآليات المنهجية متشابهة في الظاهر، إلا أنهما يفترقان افتراقاً جوهرياً في الأثر والنتيجة، لأن العلوم المادية تقيس ”الواقع المعزول“، بينما علوم الإنسان تشتبك مع ”الوعي المركب“. تسعى العلوم المادية إلى التفسير، بينما تخصص العلوم الإنسان لمحاولة الفهم. ففي الأولى نرى انفصالاً ضرورياً بين المراقب والموضوع. وفي الثانية، يصبح الانغماس العضوي في الموضوع شرطاً لتشكيل المعنى وتحديد الحقيقة. المقابلة هنا مقابلة بين أداة لقياس المادة وأداة أخرى لتحرير الفهم من الهيمنة المعرفية.
إذاً لا يملك الباحث في ميدان الإنسان رفاهية الملاحظة الباردة، فهو إما أن يُسخّر قلمه لتفكيك موازين القوى الراجحة، أو يُصبح بـ ”حياده“ حارساً وفياً لسردية المهيمن.
هنا تبرز ضرورة ”اللا حياد الواعي“. واجبه لا يكمن في إيجاد الأعذار للمركزية المهيمنة أو تلطيف حدة خطابه، بل في تقديم ”الرواية البديلة“ والشهادة المغيبة من تحت الأنقاض. الكاتب في هذا الميدان يحمل قلماً ليحرف مسار الريح العاتية، لا ليقيس سرعتها ببرود المتفرج.
والحياد في سياق ميزان مختل منذ البداية، ليس حياداً، بل هو ترجيح لكفة الأقوى. نحن لا نحتاج إلى توازن مع من يملك كل شيء ونحن، في المقابل، لا تملك شيئاً. بل تحتاج إلى صوت يصدح وقلم لا يتردد.
الانحياز بوعي لكفة الحق المهدور والموروث المستلب ليس عيباً منهجياً، بل هو واجب أخلاقي لتفكيك الزيف وإعادة بناء الوعي الجماعي.













