عاشوراء معركة البقاء
التاريخ الإنساني عامر بالمعارك والأحداث والتغيرات، بعضه بقى له أثر قليل يُذكر، وكثيرٌ منه اندثر مع الزمن وأصبح في طي النسيان، إلا أن معركة ونهضة عاشوراء الإمام الحسين
بقيتا خالدتين، حيث إن الزمن يزيد من إشراقها وضيائها وثباتها، وتزايد تعلق الجميع وحاجتهم لها. في كل عام تظهر معركة عاشوراء وكأن الحدث وقع اليوم بكل تجلياته، وتظهر في طياتها معاني البطولة ليستلهم الملايين المتزايدة والمتعلقة بهذا الحدث الجلل، عامًا بعد عام، الدروس والعبر. أصبح العالم أجمع، على اختلافاتهم، تجمعهم الحاجة للارتباط بالمبادئ وصولًا لحياة أفضل، فما يشاهده العالم أجمع اليوم في ظل وسائل التواصل والبث المباشر جعل كل المعارك تصغر في أعين العالم إلا معركة عاشوراء بقيادة الإمام الحسين
، فإن الزمن يزيد من عظمتها ويظهر حقائقها وأهدافها وحاجة الإنسانية لها.
معركة عاشوراء قائدها ومن معه قدوةٌ للطالبين للمعالي من أجل العزة والكرامة، والهداة إلى الحق في زمن انعدامها وغيابها، وهم أئمة الكرامة في كل زمن تمتهن فيه كرامة الإنسان وتسحق مقدساته، والمثل الأعلى في التضحية والعطاء في كل زمن يبخل الناس عن العطاء والتضحية، ومستودع القيم والمبادئ الإسلامية. كما أنها اللحظة التاريخية التي أثبتت بشكل لا لبس فيه أن السيف لا يجلب النصر، وأن الدم ينتصر على السيف، وأن الظلم مهما تمادى واستفحل فهو إلى زوال.
كانت معركة اليوم من أجل المستقبل، ينظر الإمام الحسين
بعين الاستبشار إلى أن القادم من بعده ستكون أحداث المعركة طوق نجاة، وأن النصر يحتاج تضحية من أجل غدٍ أفضل. كان على يقين واضح لا يتغير قيد أنملة، كالطود الشامخ من الثقة وتحقق الأهداف التي أودعها الله تعالى فيه وأخذها من جدّه ﷺ، وتتلمذ عليها على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
.
كان المطلوب رأسه وإسكات صوته لتنتهي المعركة قبل أن تبدأ. طلب من أصحابه الرجوع وأن يتخذوا الليل جملًا، المطلوب وحده قائد المشروع. اختاروا المجد الأبدي والفخر والعزة في الدنيا والمكانة العليا في الآخرة، فكان نصيبهم المعالي والتاريخ المشرق والمجد الباقي في معركة خالدة. امتزجت دماؤهم بدم سيد شباب أهل الجنة وابن بنت رسول الله ﷺ. كانت الجنان، على بعد ساعات أو دقائق، تراودهم، فكان السباق نحو المجد، مستعجلين التوثب لكتابة تاريخ عابرًا للمكان والزمان في معركة تعتبر أم المعارك بدون منازع، لتكون أعظم معركة في التاريخ تبعث رسائلها لتحارب القتل والخوف والشر في كل مكان وزمان. صوت سماوي جسده الإمام الحسين
في معركة الخلود والبقاء، معركة تجلى فيها قليل العدد، كبيرٌ في إصراره وثباته. في معركة عاشوراء جسدت ما يعجز عنه كل الحسابات والنتائج، وأظهرت هذه المعركة امتدادًا من معجزات الأنبياء
، ليرفعوا راية الحق خفاقة على مر الأيام. حريٌّ بها أن تسمى معركة النصر المبين والشرف العظيم، وكان اليقين بالنصر ماثلًا في الروح العظيمة للإمام وأهل بيته
وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم.













