حضور الغرب في خطابنا الفكري: هل يحجب عنا رؤية العالم؟
في إحدى ليالي شهر محرم الحرام من هذا العام، كنت استمع لأحد الخطباء وهو يتحدث عن الرؤية الوجودية في الإسلام، وعنوان المحاضرة «حقيقة الإنسان وأهدافه بين الفلسفة المادية والدينية». كان الطرح عميقاً ومؤثراً، غير أن ما استوقفني في تلك اللحظة لم يكن جوهر الفكرة، بل الإطار الذي قُدمت فيه. ففي كل مرة كان المحاضر يتحدث فيها عن الرؤية الإسلامية، كان يستدعي الرؤية الغربية كطرف مقابل فوري، وكأن استعراض الرؤية الإسلامية لا يكتمل، ولا تتضح معالمه، إلا بوضعه في سياق مقارن مع الغرب.
هذه الملاحظة العابرة فتحت باباً واسعاً للتأمل في ظاهرة متجذرة في خطاباتنا الفكرية والدعوية المعاصرة: هيمنة الغرب ك ”آخر“ وحيد. فعند الحديث عن الحرية أو العقل أو حقوق الإنسان، غالباً ما تُقارن بالنماذج الغربية. هذه المقارنات مشروعة، لكن الإشكال يظهر حين تصبح هي العدسة الوحيدة التي نرى من خلالها العالم، وحين تُهمش التجارب الحضارية الأخرى، وكأن الخريطة الذهنية توزع العالم بين قطبين: الإسلام في مواجهة الغرب، وسط غياب تام لبقية الحضارات الإنسانية.
يمكن تفسير هذا الحضور المتصدر للغرب بعاملين: القرب الجغرافي والتاريخي، والتفوق التقني والعلمي. هذه الغلبة المادية لم تؤثر على موازين القوة فحسب، بل انعكست على طريقة تفكيرنا وأسئلتنا المعرفية. ورغم أن النظر إلى الغرب كطرف مهيمن موقف مبرر لمن عانى الاستعمار، إلا أن الإشكال يظهر حين يتحول هذا العداء السياسي إلى إطار مرجعي شامل يحكم كل تفكيرنا، فتصبح الهوية مشغولة بالرد على الآخر الغربي، ويغفل صاحبها عن أبعاد أخرى من التاريخ والإنسانية. فالتمييز بين الموقف السياسي المشروع والتأطير المعرفي الشامل ضرورة لا غنى عنها.
عندما تُعرض الرؤية الإسلامية في قالب الرد على الغرب، فإنها تتحول من منظومة مستقلة إلى مجرد موقف جدلي. فتصبح العقيدة والأخلاق وكأنها بنيت للدفاع، وهذا يحجب حقيقة أن الرؤية الإسلامية قائمة على أسسها الخاصة، المستقلة عن أي طرف خارجي. الإسلام يقدم للإنسان تعريفاً لذاته وللغاية من وجوده، قبل أن يعرفه من خلال موقعه من ثنائية الشرق والغرب. وحين يُختصر الإسلام في مواجهة الغرب، قد يتعذر تقديمه في سياقه الكوني الأوسع، خاصة لمن لا يعنيهم الغرب بذلك القلق المعرفي نفسه.
وهنا يبرز بعد آخر مهم يتعلق بمسؤولية الخطاب العام والدعوة. حين ينصب اهتمامنا على الغرب وحده، فإننا نُقصي بقية البشرية من دائرة خطابنا، وهذا له أثران:
الأول، أن الآخر غير الغربي - في آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية - لا يجد نفسه معنياً بحوارنا. فخطابنا الموجَّه إلى الغرب، والمشتق من أسئلته، لا يخاطب همومه الوجودية، بل يمر عليه كخطابٍ محليٍّ لا يعنيه. وحين لا يشعر الآخر بأننا نراه، فإنه لن يشعر بأن رسالتنا موجهة إليه، مهما كان شعارنا أنها ”للعالمين“.
والثاني، أن الدعوة إلى الإسلام لا تنجح في غياب المعرفة بالمدعوين. فكيف ندعو أهل الهند دون معرفة تراثهم الروحي؟ وكيف نخاطب الصينيين دون معرفة مرتكزاتهم القيمية؟ وكيف نتحدث إلى الأفارقة دون فهم تصوراتهم عن الجماعة والأجداد؟ الدعوة الحقيقية تبدأ بالإنصات والفهم، وهي تحتاج إلى جهد معرفي يتجاوز الرد على الغرب إلى استيعاب تنوع البشرية.
توسيع الأفق المعرفي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة دعوية وأخلاقية. فالإسلام رسالة إلى الناس كافة. ولكي تصل هذه الرسالة، يجب أن تكون لغتها مفهومة، وأسئلتها مستمدة من قلق الإنسان حيثما كان، واهتماماتها منطلقة من هموم البشر جميعاً، وليس من هموم مواجهة طرف واحد. وحين نهمل معرفة الآخرين، فإننا نضيق رحاب الرسالة، ونحولها من كونية إلى إقليمية.
من الضروري توسيع دائرة المقارنة لتشمل التراث الهندي أو الصيني أو الأفريقي، ليس لمجرد المقارنة الأكاديمية، بل لأن هذه الفلسفات تعبر عن تجارب إنسانية غنية، ومعرفتها شرط أساسي للدعوة إليهم. الاعتراض العملي بأن هذه الفلسفات غير حاضرة في ثقافتنا بالقدر الكافي هو وجيه، ويعكس هيمنة معرفية جعلت الغرب حاضراً وغيره غائباً.
عمق هذه الفلسفات يكمن في تأملها لأسئلة الوجود، وهي سمة إنسانية عامة أنتجت كنوزاً فكرية. فالفلسفة الهندية تضم مدارس منطقية ومثالية عميقة، والصينية تقدم بديلاً يركز على الانسجام، والأفريقية تطرح مساهمات مؤثرة في قضايا الهوية. غيابها عن ثقافتنا يعكس أولوياتنا، لا غياب الجهد من أصحابها.
قد يبرز اعتراضان: الأول صعوبة استيعاب هذا الكم الهائل من المعرفة. والرد أن الهدف ليس استيعاب كل التفاصيل دفعة واحدة، بل البدء بالنقاط المحورية والأسئلة الوجودية المشتركة. يمكن تبني منهجية تدريجية، عبر دراسات مقارنة أو ترجمة مختارات. الانفتاح المعرفي لا يعني التخلي عن التخصص، بل إثراءه بمنظورات جديدة.
الاعتراض الثاني هو الخوف من الذوبان الثقافي. الدعوة إلى الانفتاح لا تعني الذوبان أو التخلي عن الهوية الإسلامية. بل الفهم العميق للآخر يعزز الثقة بالنفس والهوية، ويساعد على التمييز بين ما هو عالمي وما هو خاص بثقافة معينة. التفاعل الحضاري الصحي يقوم على الأخذ والعطاء، مع الحفاظ على الأصالة والخصوصية، والإسلام قدم نماذج ناجحة لهذا التفاعل دون فقدان هويته.
التحرر من هيمنة المرجعية الغربية لا يتحقق بتجاهل الغرب، بل بإتقان الحوار معه مع امتلاك أدوات مستقلة. وكما تفاعل أسلافنا مع اليونان قديماً دون فقدان خصوصيتهم، يمكننا أن نحاور الغرب بثقة، بشرط ألا يكون الحوار احتكارياً، وألا يحجب التنوع الإنساني. التحرر الحقيقي هو أن نمتلك القدرة على صياغة أسئلتنا الخاصة، والانفتاح على تجارب الآخرين، دون أن نبقى مجرد ردود فعل متكررة.
في الختام، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في ثنائية ”نحن والغرب“، وإدراك أنها واحدة من عدة إمكانيات للفهم. الغرب سياق مهم، لكنه ليس وحيداً. والإسلام، في جوهره، رؤية تتسع لكل إنسان، وليست مجرد جواب على طرف بعينه. التحرر يبدأ بامتلاك الجرأة على الإصغاء لأسئلة الآخرين المتنوعة، والثقة في أن الإسلام قادر على أن يقدم نفسه في سياق الإنسانية الأوسع. بهذا ننفتح على رسالة الإسلام في امتدادها الواسع، لا في حدود جدل محدود.













