القيم المؤسسة للتوازن الإنساني في وصية الإمام الحسين (ع)
هذه الكلمات المضيئة ليست مجرد مواعظ أخلاقية، بل هي منهج متكامل لصناعة شخصية متوازنة تعرف حدودها وإمكاناتها، وتسير في الحياة بعقلٍ راجح ونفسٍ مطمئنة، فقد روي عن الإمام الحسين
:
«لا تَتَكَلَّفْ ما لا تُطيقُ، وَلا تَتَعَرَّضْ لِما لا تُدْرِكُ، وَلا تَعِدْ بِما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلا تُنْفِقْ إلاّ بِقَدَرِ ما تَسْتَفيدُ، وَلا تَطْلُبْ مِنَ الْجَزاءِ إلاّ بِقَدَرِ ما صَنَعْتَ، وَلا تَفْرَحْ إِلاّ بِما نِلْتَ مِنْ طاعَةِ اللهِ تَعالى، وَلا تَتَناوَلْ إلاّ ما رَأَيْتَ نَفْسَكَ لَهُ أَهْلاً.». [1]
كثير من الناس يحمّلون أنفسهم ما لا يطيقون، فيسعون إلى أعمال تفوق قدراتهم أو يلتزمون بما لا يستطيعون الوفاء به، فيقعون في التعب والإحباط. ولذلك بدأ الإمام الحسين
بقوله: «لا تتكلف ما لا تطيق».
إن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يعيش تحت ضغط دائم، بل يدعوه إلى العمل وفق قدرته واستطاعته، لأن النجاح الحقيقي يبدأ بمعرفة النفس وتقدير الإمكانات.
من الحكمة أن يعرف الإنسان حدود معرفته وخبرته، فلا يخوض فيما يجهله، ولا يندفع وراء أمور لا يملك أدواتها.
فالاندفاع غير المدروس قد يجلب الخسائر، أما الحكيم فيزن الأمور بعقله قبل أن يخطو إليها. ومن علامات النضج أن يقول الإنسان: لا أعلم، أو ليس هذا من اختصاصي.
ثم يقول الإمام: «ولا تعد بما لا تقدر عليه».
فالوعود السهلة كثيرة، لكن الوفاء بها هو المعيار الحقيقي للأخلاق. والإنسان الذي يكثر من الوعود ثم يعجز عن تنفيذها يفقد ثقة الناس واحترامهم.
ومن الحكمة أن يكون الوعد بقدر القدرة، وأن يكون الكلام تابعًا للفعل لا سابقًا له.
ويقول الإمام: «ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد».
وهي دعوة إلى التوازن الاقتصادي والابتعاد عن الإسراف والتبذير. فالمال نعمة ينبغي أن يُصرف بحكمة، وأن يكون الإنفاق لتحقيق منفعة حقيقية لا لمجرد المظاهر أو المنافسة الاجتماعية.
فكم من أزمات مالية كان سببها إنفاق يفوق الحاجة أو السعي وراء الكماليات على حساب الضروريات.
ومن أعمق ما في هذه الوصية قوله: «ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت».
فالعدل يقتضي أن تكون التوقعات متناسبة مع الجهد المبذول. أما انتظار المكافآت الكبيرة على الأعمال القليلة فهو سبب لكثير من خيبات الأمل.
والإنسان الناجح يركز على إتقان العمل أكثر من انشغاله بالمكافأة.
ثم يرتقي الإمام بالإنسان إلى أسمى درجات السعادة بقوله:
«ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله».
فالمال يزول، والمنصب يتغير، والشهرة قد تخبو، أما الطاعة والعمل الصالح فهما الباقيان.
إن الفرح بالطاعة يملأ القلب سكينة ورضاً، لأنه مرتبط بما يبقى ولا يفنى.
ويختم الإمام وصيته بقوله:
«ولا تتناول إلا ما رأيت نفسك له أهلًا».
وهي دعوة إلى معرفة القدرات والمؤهلات، وعدم التطلع إلى ما لا يستحقه الإنسان أو لم يتهيأ له بعد.
فالتدرج في بناء الذات، واكتساب العلم والخبرة، هو الطريق الصحيح للوصول إلى المراتب العالية.
• الواقعية أساس النجاح.
• معرفة القدرات تمنع الفشل والإحباط.
• الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق.
• الاعتدال في الإنفاق يحفظ الاستقرار.
• الجزاء يكون بقدر العمل.
• السعادة الحقيقية في طاعة الله.
• استحقاق المناصب والمراتب يكون بالكفاءة والجدارة.
إن هذه الكلمات الخالدة من الإمام الحسين
ترسم للإنسان طريق الاعتدال والتوازن، وتدعوه إلى أن يعيش وفق قدراته، وأن يضبط رغباته، وأن يجعل رضى الله غايته الكبرى. فمن عمل بهذه الوصية عاش مطمئن النفس، مستقيم السلوك، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، قريبًا من الحكمة التي هي أساس سعادة الدنيا والآخرة.













