آخر تحديث: 21 / 6 / 2026م - 9:14 م

السيرة الحسينية بين التوثيق العلمي والتسامح الروائي

أ. د. حيدر أحمد اللواتي *

يثور في الكواليس النخبوية والشعبية على حد سواء بين حين وآخر نقاش معرفي محتدم، يتجاذب هذا النقاش طرفان؛ أحدهما يرى ضرورة في التوثيق والتحقق العلمي من روايات السيرة الحسينية، والآخر يرى في التسامح والتساهل الروائي نافذة ضرورية للحفاظ على جذوة المأساة، وبينهما يقف طيف من الآراء التي تحاول المقاربة بين المنهجين.

ليس الهدف في هذه المقالة محاولة إقصاء وجهة نظر بالكامل، بل نهدف هنا في محاولة لمعرفة الأسباب لكل من الطرفين، وفهم الدوافع التي تحرك كلاً منهما، مع قراءة هادئة لأبعاد المنهجين في رسم صورة كربلاء.

لا ينطلق أصحاب مدرسة التسامح في نقل الروايات من رغبة في تشويه الحقائق، بل تحكمهم دوافع وجدانية ومنهجية يرونها ضرورية لبقاء الشعيرة، حيث يبرز في مقدمتها الخوف على ضمور الأبعاد العاطفية، إذ يرى هذا التيار أن القيمة الكبرى للمنبر الحسيني تكمن في استدرار العاطفة وتعميق الرابط الوجداني مع تضحيات الإمام الحسين، وبما أن الكثير من المواقف الحزينة والمؤثرة لم ترد إلا في كتب متأخرة زمنياً وغابت عن الأصول القديمة، فإن إسقاطها بحجة ضعف السند قد يجفف الدمعة الحسينية، ويحول السيرة من ملحمة حية تحرك القلوب إلى مجرد تقرير تاريخي جاف، كما يستند هذا الرأي إلى حجة تاريخية تتمثل في فرضية المراجع المفقودة، معتبرين أن الكثير من المصادر الأولية قد ضاعت نتيجة لأسباب مختلفة كالحروب وحرق المكتبات عبر العصور، وبالتالي فإن عدم وجود خبر ما في المصادر المتاحة اليوم لا يعني حتماً أنه لم يحدث، فربما وصل إلى المؤرخين المتأخرين عبر مصادر مفقودة لم تصل إلينا، ويعزز هذا التوجه بوجود غطاء فقهي وشرعي؛ حيث يجيز أغلب الفقهاء نقل الأخبار شريطة أن يسندها الخطيب إلى قائليها أو إلى مصادرها المتأخرة، أو يذكرها بصيغة لسان الحال، طالما أن مضمون الخبر لا يخدش العصمة ولا يسيء إلى قدسية الإمام وأهل بيته.

ورغم نبل الدافع المذكور لدى هذا التيار، إلا أن المبالغة في الاعتماد على الفرضيات المفتوحة، كالمصادر المفقودة، قد تضعف أحياناً من القيمة التوثيقية للنص المروي أمام التساؤلات المعاصرة، وتجعل المتلقي في حيرة بين شحن الوجدان واطمئنان العقل، وبالمقابل يرى تيار التحقيق أن الخوف من ضمور العاطفة عند الاقتصار على الكتب التاريخية المتقدمة والمصادر الموثوقة للسيرة الحسينية هو محض وهم لا مبرر له على الإطلاق؛ فالنصوص الواردة في تلك الكتب تحتوي في ذاتها على ثراء مأساوي كبير، وتفاصيل مشجية للغاية قادرة على هز الوجدان وتفجير الدموع دون الحاجة لأي إضافات متأخرة، فالحدث الكربلائي بطبيعته التاريخية الموثقة يحمل من عناصر الدراما الإنسانية ما يكفي لشحن العواطف بصدق وعمق، دون الوقوع في شرك المبالغات التي قد تضعف هيبة المأساة بدلاً من خِدمتها.

بل إن تيار التحقيق يذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن هذا التخوف ليس نابعاً من شح المادة التاريخية الأصلية، وإنما هو نتيجة تراكمية لسنوات طويلة من التساهل في رواية السيرة الحسينية؛ إذ تسبب هذا التساهل المزمن في اعتياد الجمهور وتفاعله مع أحداث ومواقف غير موثقة، وتربت على ذلك أجيال تعاقبت خلف أجيال، واليوم، تجد هذه الأجيال نفسها متفاعلة عاطفياً مع صور ومشاهد وهمية لا حقيقة لها في واقع الحادثة، وبطبيعة الحال، فإن الوجدان الشعبي سيواجه صدمة وتحدياً نفسياً في بادئ الأمر حين يُطلب منه الاقتصار في تفاعله وبكائه على الأحداث التي وردت في الكتب التاريخية المتقدمة والمصادر الموثوقة فحسب، لأن عملية الفطام الروائي عن الروايات المستحدثة تتطلب وقتاً لإعادة ضبط العاطفة على ما ورد في المصادر الموثوقة.

وينبّه تيار التحقيق في هذا السياق إلى مغالطة منطقية يقع فيها الطرف الأول؛ فالاتكاء على منطق ”احتمالية الحدوث“ لتبرير نقل أي قصة غابت عن الأصول يفتح الباب لفرض كل ما يمكن تصوره وخياله، ما دام هذا الفرض لا ينال من مقام المعصوم. وهذا لعمري منهج يحمل تبعات خطيرة؛ لأنه يلغي الحدود الفاصلة بين الحقيقة التاريخية والإنتاج الأدبي، ويجعل من مجرد ”عدم الامتناع العقلي“ مسوغاً لنسبة الحوادث إلى المعصومين، مما يؤدي بالتدريج إلى إغراق السيرة بروايات قد تكون مدفوعة بالنوايا الحسنة لكنها تجرد التاريخ من علميته ومصداقيته.

ويعتقد تيار التحقيق أن التيار الأول وقع في مغالطة منطقية أخرى، وهو الاتكاء على الجواز الفقهي، والذي لا يضفي صحة تاريخية على ذلك الخبر ولا يزيد من احتماليته، فالجواز الفقهي هو مبدأ تنظيمي يسمح للخطاب الديني بإيصال مضمونٍ ما بشرط التقييد بضوابط شرعية، أما مسألة صحة النقل وموضوعيته فتعتمد على معايير تاريخية مختلفة كما هو معروف.

وينطلق تيار التحقيق مدفوعاً بمسؤولية معرفية وفكرية، ويرى أن التثبت في السرد يحمل حصانة ضرورية تحمي أصل النهضة الحسينية وتمنحها عمقاً ممتداً، وينطلق من دافع الامتثال للأمر الإلهي بالتحري، باعتبار أن الإسلام في جوهره دين يحث على التثبت والتبين في نقل الأخبار، فإذا كان التحقيق مطلوباً في شؤون الحياة اليومية، فهو أوجب وأولى في حادثة مفصلية وتاريخية كحادثة كربلاء، التي بُنيت عليها عقائد ومفاهيم أمة بأكملها، كما يندفع هذا التيار المحقق برغبة جادة في سد الباب أمام التشويه والخرافة، إذ يعتقد أصحاب هذا التوجه أن فتح الباب أمام الروايات غير الموثقة، والاعتماد على مصادر متأخرة وغير معتبرة وعلى الرؤى والمنامات في سرد السيرة المعصومة، سمح بتسلل حوادث مبالغ فيها ولا يقبلها العقل السليم، مما يمنح المتربصين والمنتقدين مادة دسمة لتشويه الوجه الناصع والبطولي لواقعة كربلاء، وتحويلها من ثورة وعي إلى مجرد مظلة لحوادث غير عقلانية.

ويؤكد تيار التحقيق أيضاً على أهمية بناء التحليل المعرفي على أرض غير رخوة، فكربلاء ليست مجرد مأساة للبكاء بل هي مدرسة تستلهم منها المواقف المبدئية، والقيم، والأخلاق، وحادثة ثرية لدراسة النظريات في مختلف المجالات النفسية والاجتماعية، وأي محاولة لتحليل أبعاد هذه الثورة، أو استنباط الدروس منها، أو حتى رسم الملامح القيادية لشخصية الإمام الحسين وأصحابه، لا يمكن أن تنجح أو تكون مثمرة ما لم تنطلق من وقائع تاريخية معتبرة، وذات احتمالية حدوث عالية تمنح الطرح قوة وحجية.

إن الاستماع إلى دوافع الطرفين يكشف في نهاية المطاف عن منبع واحد يفيض بحب الإمام الحسين ، لكن مع اختلاف بيّن في المآلات وسداد المنهج؛ فرغم أن تيار التسامح يبحث بصدق عن صيانة التفاعل الوجداني، إلا أن الاسترسال في هذا الطريق دون ضوابط صارمة قد يجعل الصرح العاطفي هشاً وعرضة للاهتزاز أمام أدنى محاكمة فكرية، ومن هنا، يبدو أن تيار التحقيق لا يدافع عن العقل الفاحص فحسب، بل يحمي العاطفة نفسها من أن تقع في فخ المبالغة التي تضعف حجيتها، وعليه، فإن إطار التحقيق العلمي يظل هو المآل الحتمي والأكثر أماناً، كونه القادر على تقديم سيرة حسينية راسخة تُخاطب المتلقي المعاصر بلغة علمية التي تنصف عظمة المأساة، دون أن تصطدم بمنطق العقل.

بروفيسور في الكيمياء وأكاديمي بجامعة السلطان قابوس
كلية العلوم - جامعة السلطان قابوس