عاشوراء… من الشهادة إلى الرسالة
في كل عام يتخرّج آلاف الشباب وهم يحملون أحلامًا كبيرة وآمالًا عريضة بمستقبل مهني ينسجم مع سنوات الدراسة والجهد الذي بذلوه. غير أنّ الواقع الوظيفي لا يسير دائمًا وفق ما يتمنونه؛ فبعض التخصصات تعاني من محدودية الفرص، وبعض المناطق الجغرافية تفتقر إلى الوظائف المناسبة، ما يضع الخريجين أمام تحديات حقيقية تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمرونة في التفكير.
مع ذلك، نجد فئة من الخريجين ترفض العمل خارج منطقتها الجغرافية، بينما يرفض آخرون أي وظيفة لا تقع ضمن نطاق تخصصهم الدقيق، ولو أدى ذلك إلى سنوات طويلة من الانتظار. وهنا يبرز سؤال مهم: هل الغاية من التعليم هي الحصول على وظيفة محددة فقط، أم بناء إنسان قادر على خدمة نفسه ومجتمعه من خلال مختلف الفرص المشروعة المتاحة؟
القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى الحركة والسعي وعدم الارتهان للمكان أو الظروف، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 10]، فالآية الكريمة ترسم منهجًا يقوم على المبادرة والبحث عن الفرص حيثما وجدت، لا انتظارها في دائرة ضيقة من التوقعات.
وعندما نتأمل واقعة الطف بوصفها مدرسة إنسانية وتربوية، نجد أنّ أصحاب الإمام الحسين
قدّموا نموذجًا راقيًا في تجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الضيقة. فقد اجتمعوا من بلدان وقبائل متعددة تحت راية المبادئ والقيم، ولم يجعلوا البعد المكاني أو المصالح الشخصية عائقًا أمام أداء مسؤولياتهم، فقد اجتمع في كربلاء رجال من الحجاز والكوفة والبصرة واليمن ومناطق أخرى، حيث جمعتهم الرسالة والقيم العليا لا الحدود الجغرافية.
كما أنّ سفير الإمام الحسين
، مسلم بن عقيل
، غادر موطنه وأهله متحملًا مشقة السفر وغربة المكان من أجل أداء التكليف الذي أُوكل إليه. وهذه الروح تعلّم الإنسان المعاصر أنّ النجاح يتطلّب أحيانًا مغادرة منطقة الراحة، وخوض تجارب جديدة قد لا تكون ضمن الخطط التي رسمها لنفسه في البداية.
إنّ الدرس المستفاد هنا ليس مقارنة الوظيفة بالمواقف العظيمة لأهل البيت وأصحابهم
، وإنّما استلهام روح الاستعداد للتحرّك والتضحية ببعض المألوفات من أجل مصلحة أكبر ومستقبل أفضل.
من جهة أخرى، تؤكد روايات أهل البيت
قيمة العمل والسعي والإنتاج. فقد روي عن الإمام الصادق
أنه قال: ”لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكف به وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه“، فالعمل ليس مجرد مصدر دخل، بل وسيلة لحفظ الكرامة وبناء الاستقلالية وتحقيق النفع للآخرين.
إنّ أحد الأخطاء الشائعة في عصرنا هو اختزال قيمة الإنسان في عنوان شهادته الجامعية، حتى بات بعض الخريجين ينظرون إلى العمل خارج تخصصهم وكأنّه انتقاص من مكانتهم العلمية. بينما تؤكد التجارب الواقعية أن كثيرًا من الناجحين بدأوا من وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، ثم اكتسبوا مهارات وخبرات فتحت لهم أبوابًا لم يكونوا يتوقعونها. هذا لا يعني بالضرورة جميع التخصصات، فقد يكون هناك تخصصات لا غنى عنها وتحتاج إلى تدريب وكسب الخبرة فيها.
فالوعي الحقيقي لا يدعو إلى التخلّي عن الطموح أو التخصص، وإنّما يدعو إلى التمييز بين الهدف والوسيلة؛ فالهدف هو بناء المستقبل وتحقيق الاستقرار وخدمة المجتمع، أمّا الوسائل فتتغير بحسب الظروف والإمكانات المتاحة.
إنّ الشباب الذين يستلهمون من القرآن الكريم ومن مدرسة الإمام الحسين
قيم المبادرة والمرونة وتحمّل المسؤولية، سيكونون أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات المهنية، وأكثر استعدادًا لتحويل التحديات إلى فرص. فالمستقبل لا يصنعه مَنْ ينتظر الظروف المثالية، بل يصنعه مَنْ يُحسن استثمار الواقع، ويؤمن بأنّ كل خطوة جادة في طريق العمل والعطاء قد تكون بداية لنجاح أكبر مما كان يتخيّل.













