آخر تحديث: 21 / 6 / 2026م - 9:14 م

أخلاق الكلمة: قراءة في توجيهات الإمام الحسين (ع)

من الكلمات المشرقة المنسوبة إلى الإمام الحسين :

«إِذا سَمِعْتَ أَحَداً يَتَناوَلُ أَعْراضَ النّاسِ فَاجْتَهِدْ أَنْ لا يَعْرِفَكَ فَإِنَّ أَشْقَى الاَْعْراضِ بِهِ مَعارِفُهُ». [1] 

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِرَجُلٍ اغْتَابَ عِنْدَهُ رَجُلًا: يَا هَذَا، كُفَّ عَنِ الْغِيبَةِ، فَإِنَّهَا إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ. [2] 

إن هذه الكلمات تمثل ميثاقاً أخلاقياً لحماية المجتمع من أخطر الأمراض الاجتماعية التي تهدم العلاقات الإنسانية وتزرع الكراهية والبغضاء بين الناس. فالكثير من المشكلات لا تبدأ بسلاح أو خصومة ظاهرة، وإنما تبدأ بكلمة جارحة، أو غيبة خفية، أو فحش في القول، ثم تتسع دائرتها حتى تمزق أواصر المحبة والثقة بين أفراد المجتمع.

أن الإنسان الذي اعتاد الوقيعة في الناس والحديث في أعراضهم لا يقتصر ضرره على من يغتابهم، بل يمتد إلى من يجالسه ويخالطه ويُعرف به.

معنى «فَإِنَّ أَشْقَى الأَعْراضِ بِهِ مَعارِفُهُ»:

أن أكثر الناس تعرضًا للأذى من هذا المغتاب هم معارفه وأصحابه والمقربون منه؛ لأنهم الأقرب إلى لسانه، والأكثر تعرضًا لذكره لهم ووقوعهم في غيبته وطعنه.

وقيل في تفسيرها أيضًا:

إن من شقاء الإنسان أن يُعرف بصحبة أهل الغيبة، لأن الناس قد ينسبونه إليهم أو يظنون رضاه بفعلهم، فتتضرر سمعته ومكانته بسبب هذه المعرفة والمجالسة.

فالمعنى العام للحديث:

ابتعد عن مجالس الغيبة وأهلها، ولا تجعل بينك وبينهم صلةً وثيقة، لأن ضررهم لا يقف عند من يغتابونه، بل يصيب أقرب الناس إليهم وأعرفهم بهم.

وفي ذلك إشارة تربوية عميقة إلى أهمية اختيار الصحبة، وأن مجالسة أهل السوء قد تورث الإنسان سوء السمعة أو المشاركة المعنوية في الإثم، وإن لم يتكلم بلسانه.

حرمة الإنسان في الإسلام:

جعل الإسلام للإنسان كرامة عظيمة، وصان دمه وماله وعرضه، لأن المجتمع لا يستقر إلا إذا شعر أفراده بالأمان على أنفسهم وسمعتهم وكرامتهم.

ولهذا كان الاعتداء على الأعراض من أخطر صور الاعتداء؛ لأنه يصيب الإنسان في مكانته الاجتماعية وكرامته الشخصية، وقد تبقى آثاره سنوات طويلة حتى بعد انتهاء الحادثة نفسها.

إن الجرح الذي تحدثه الكلمة قد يكون أعمق من الجرح الذي يحدثه السلاح، لأن السلاح يؤذي الجسد، أما الكلمة الجارحة فتؤذي القلب والروح والسمعة.

الفحش في القول علامة ضعف لا قوة:

الفحش هو استعمال الألفاظ القبيحة والبذيئة والخارجة عن حدود الأدب والاحترام.

وقد يظن بعض الناس أن الفحش دليل قوة أو جرأة، لكنه في الحقيقة دليل ضعف في الشخصية وعجز عن التعبير الراقي.

فالإنسان كلما ارتقى عقله وخلقه ارتقت ألفاظه، وكلما انحدر سلوكه انحدرت كلماته.

ولذلك كان الأنبياء والأئمة وأهل الحكمة يختارون أجمل العبارات حتى عند الاختلاف مع الآخرين.

فالخلاف لا يبرر الإساءة، والنقد لا يبرر التجريح، والرد على الخطأ لا يبرر الفحش.

الغيبة: جريمة خفية

ومن أخطر آفات اللسان الغيبة، وهي أن يذكر الإنسان أخاه بما يكره في غيبته، سواء كان ذلك بلسانه أو كتابته أو إشارته أو تلميحه.

وقد شبه القرآن الكريم الغيبة بأبشع صورة يمكن أن يتصورها الإنسان:

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ . [3] 

وهذا التشبيه القرآني يكشف مدى بشاعة هذا السلوك، لأن المغتاب ينهش سمعة أخيه كما ينهش الجسد الميت الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

لماذا ينتشر الحديث عن الناس؟

كثير من الناس يتحدثون عن الآخرين لأسباب متعددة:

• الشعور بالنقص ومحاولة إخفائه.

• الحسد والغيرة.

• حب الظهور وجذب الانتباه.

• الرغبة في الانتقام.

• الفراغ الفكري والروحي.

• تقليد المجالس التي اعتادت على تداول أخبار الناس.

لكن المؤمن الواعي يدرك أن انشغاله بعيوب الناس يحجبه عن إصلاح عيوب نفسه.

وقد قيل: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الآخرين.

وسائل التواصل وآفة العصر:

في الماضي كانت الكلمة السيئة تنتهي عند حدود المجلس، أما اليوم فقد أصبحت تنتشر خلال ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد يتحول تعليق واحد أو رسالة قصيرة أو مقطع مصور إلى وسيلة للتشهير والإساءة وهتك الأعراض؛ ولهذا أصبحت المسؤولية الأخلاقية اليوم أعظم من أي وقت مضى.

فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يكون مباحاً.

إن ضغطة زر قد تنقل إشاعة أو تهمة أو سخرية تصل إلى آلاف الأشخاص، فيتحمل ناشرها وزرها وآثارها.

كيف نحفظ ألسنتنا؟

لقد وضع الإسلام منهجاً عملياً لحفظ اللسان:

• التفكير قبل الكلام.

• التثبت من الأخبار.

• اجتناب المجالس التي تقوم على الغيبة والنميمة.

• تذكّر أن الله يسمع ويرى.

• شغل اللسان بالذكر والكلمة الطيبة.

• الدعاء للناس بدل الحديث عن عيوبهم.

• تربية الأبناء على احترام الآخرين وعدم السخرية منهم.

الكلمة الطيبة صدقة:

في مقابل الكلمة الجارحة، يدعو الإسلام إلى الكلمة الطيبة؛ فالكلمة الطيبة تبني القلوب، وتصلح العلاقات، وتنشر المودة بين الناس.

وقد ينسى الإنسان كثيراً من المواقف، لكنه لا ينسى كلمة طيبة رفعت معنوياته، أو كلمة سيئة جرحت مشاعره.

ولهذا كانت الكلمة أمانة، واللسان مسؤولية، والإنسان محاسب على ما يقول.

الرسالة الذهبية:

إن الإمام الحسين حين حذّر من الفحش والغيبة وتناول أعراض الناس، لم يكن يعالج سلوكاً فردياً فحسب، بل كان يحمي المجتمع كله من عوامل التفكك والعداوة والبغضاء.

فالمجتمع الذي تُصان فيه الأعراض، وتُحفظ فيه الكرامات، وتُراقب فيه الألسنة، هو مجتمع تسوده الثقة والمحبة والاحترام.

وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه التعاليم الحسينية في بيوتنا ومجالسنا ووسائل تواصلنا، حتى تبقى الكلمة جسراً للمحبة لا معولاً للهدم، ويبقى اللسان وسيلةً للخير والإصلاح لا أداةً للإساءة والتشهير.

[1]  تحف العقول عن آل الرسول ﷺ، ابن شعبة الحراني ص 245، حياة الإمام الحسين «ج 1»، الشيخ باقر شريف القرشي، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم

[2]  ريحانة الرسول - أحمد فهمي ص 55، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحلواني، شرح إحقاق الحق «ج 27»، السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، حياة الإمام الحسين «ج 1»، الشيخ باقر شريف القرشي

[3]  [الحجرات: 12]
استشاري طب أطفال وحساسية