آخر تحديث: 22 / 6 / 2026م - 9:38 م

الحسين (ع) ذكرى نقشها التاريخ

أحمد منصور الخرمدي *

إن في تاريخ الأمم محطاتٍ عظيمةً تقف عندها الأجيال طويلًا، تستلهم منها الدروس والعبر، وتستمد منها معاني الصمود والثبات على المبادئ. وتُعد رسالة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام واحدةً من أبرز هذه المحطات، لأنها جسدت قيم الإصلاح والعدل والكرامة الإنسانية التي ما زالت تلهم الناس عبر العصور.

لقد شاء الله تعالى أن يكون الإمام الحسين شخصيةً استثنائيةً نشأت في أطهر بيت عرفته الإنسانية، فهو سبط رسول الله محمد ﷺ وريحانته، وأحد سيدي شباب أهل الجنة كما ورد في الحديث الشريف.

وُلد الإمام الحسين في المدينة المنورة سنة أربع للهجرة، في بيتٍ اجتمعت فيه النبوة والفضيلة، فأبوه الإمام علي بن أبي طالب ، وأمه السيدة فاطمة الزهراء . وقد أحاطه النبي ﷺ بعنايةٍ خاصة، حتى أصبح المسلمون يرون فيه امتدادًا لأخلاق النبوة وروح الرسالة. وكان ﷺ يقول: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا»، وهي عبارة تعكس مكانة الإمام الحسين في الوجدان الإسلامي وعمق ارتباطه بقيم الرسالة المحمدية.

لقد جاء الإسلام برسالةٍ تقوم على العدل والإحسان والإصلاح بين الناس، ونشأ الإمام الحسين في مدرسة القرآن الكريم، فتعلم أن إقامة العدل ونشر الرحمة والدفاع عن القيم الإنسانية من أعظم مقاصد الدين.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90].

وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2].

وقد تجلت هذه المبادئ في موقف الإمام الحسين في كربلاء، حين وقف مع ثلةٍ من أهل بيته وأصحابه، متمسكين بما آمنوا به من قيم الحق والعدل. فكانت كربلاء رمزًا للصمود والثبات على المبدأ، ودليلًا على أن الحق لا يُقاس بالكثرة، وأن القيم العظيمة تستحق التضحية من أجلها.

ومن هنا فإن عاشوراء لا تُفهم بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل بوصفها مدرسةً أخلاقيةً متجددةً تحمل معاني تتجاوز حدود الزمان والمكان. ومن أبرز هذه المعاني الثبات على الحق، فالمؤمن لا يبدل مبادئه تبعًا للظروف أو المصالح العابرة.

قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112].

كما تؤكد رسالة الإمام الحسين أهمية الكرامة الإنسانية، فالإنسان المتمسك بمبادئه لا يقبل الإذلال ولا يفرط في كرامته التي أكرمه الله بها.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70].

ومن الدروس المهمة أيضًا الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، فالإصلاح لا يتحقق بالأمنيات، بل بالمواقف والعمل والبذل في خدمة المجتمع والقيم النبيلة. وقد جسد الإمام الحسين هذا المعنى عندما تحمل مسؤوليته التاريخية بشجاعة وإخلاص.

كذلك تبرز قيمة التضحية من أجل المبادئ، فنهضة الأمم لا تقوم على المصالح الفردية وحدها، بل على استعداد أبنائها لتقديم المصلحة العامة والمحافظة على القيم العليا.

لقد احتل الإمام الحسين مكانةً رفيعةً في وجدان المسلمين، وإن الرسالة التي تستفاد من سيرته تتمثل في التمسك بالحق، والعمل الصالح، والإصلاح بين الناس، وخدمة المجتمع، ونشر العدل والرحمة. وبذلك تبقى كربلاء رمزًا خالدًا للقيم الإنسانية والإصلاحية التي تتجدد مع كل جيل.