آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 9:38 م

عندما يتكلم غير المتخصص

عبد الله أحمد آل نوح *

لم تعد المشكلة في عصرنا ندرة المعلومة، بل في كثرة من يظنون أن امتلاك المعلومة يساوي امتلاك المعرفة.

في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع بضغطة زر، صار من السهل على أي شخص أن يقرأ، أو يشاهد، أو يستمع إلى محتوى في الطب أو الدين أو الاقتصاد أو غيرها من المجالات التخصصية. وهذه في حد ذاتها نعمة كبيرة، تعكس اتساع المعرفة وسهولة الوصول إليها. لكن المشكلة لا تبدأ عند توفر المعلومة، بل عند سوء التعامل معها.

فثمة فارق كبير بين أن تصل إلى المعلومة، وبين أن تمتلك الأدوات العلمية لفهمها وتحليلها ووضعها في سياقها الصحيح.

ومن هنا تبرز ظاهرة تستحق التأمل: عندما يتكلم غير المتخصص في قضايا تخصصية.

نرى ذلك كثيرًا؛ يستمع أحدهم إلى محاضرة دينية، أو تحليل اقتصادي، أو نقاش طبي، ثم لا يلبث أن ينتقل من موقع المستمع إلى موقع الناقد، بل أحيانًا إلى موقع المصحح، مستندًا إلى انطباع سريع أو فهم جزئي للمسألة.

ومن المهم هنا أن نكون واضحين: الإشكال ليس في السؤال، ولا في الحوار، ولا حتى في النقد. فالمجتمعات الحية لا تتقدم إلا بالنقاش، والعلم نفسه يقوم على المراجعة والتصحيح. لكن الإشكال يبدأ عندما يختلط حق إبداء الرأي بادعاء امتلاك الحكم العلمي.

لقد أوجد العصر الحديث خلطًا بين مفهومين مختلفين تمامًا: الديمقراطية في الرأي، والديمقراطية في العلم.

في الرأي، لكل إنسان الحق في التعبير والمشاركة. أما في العلم، فالأمر لا يُحسم بعدد الأصوات، ولا بكثرة المؤيدين، ولا بحجم التفاعل على المنصات. الحقيقة العلمية لا تُصنع بالتصويت، والمعرفة لا تُقاس بالانطباعات.

ليس من المنطقي أن يتساوى رأي جرّاح أمضى سنوات طويلة في الدراسة والتدريب مع رأي شخص شاهد عدة مقاطع قصيرة على وسائل التواصل. كما أنه ليس من العدل أن يوضع رأي الباحث الشرعي المتخصص في النصوص وأصول الاستنباط في الكفة نفسها مع انطباع عابر تشكل بعد سماع محاضرة واحدة أو قراءة اقتباس مبتور.

ومن الظواهر اللافتة كذلك أن بعض الناس يخلط بين الجرأة الفكرية والتسرع في الكلام. فيظن أن الاعتراض الحاد، أو النقد الصادم، أو مخالفة السائد، دليل على عمق التفكير واستقلاليته.

لكن الجرأة وحدها ليست فضيلة إذا لم يساندها علم. فليست كل مخالفة شجاعة، وليس كل اعتراض وعيًا.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف من الاعتراض الوصول إلى الحقيقة بقدر ما يكون السعي إلى لفت الانتباه. وفي بيئة رقمية تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ العمق، أصبحت المخالفة عند البعض طريقًا مختصرًا نحو الحضور. وكأن قاعدة «خالف تُعرف» تحولت إلى منهج عملي.

لكن الضجيج لا يصنع معرفة.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو تآكل احترام الخبرة. فعندما يتساوى صوت المختص مع صوت غير المختص، يصبح الحكم للأعلى صوتًا لا للأقوى حجة.

ومع ذلك، فإن احترام التخصص لا يعني منح المختصين حصانة مطلقة من النقد؛ فالمختص بشر، وقد يخطئ. لكن مراجعة المختص ينبغي أن تكون بمنهج علمي وأدوات معرفية، لا بأحكام متسرعة أو انطباعات عابرة.

ومن علامات النضج الفكري أن يعرف الإنسان حدود معرفته. والاعتراف بعدم الإحاطة ليس ضعفًا، بل وعيٌ ونضجٌ. ولعل من أكثر العبارات دلالة على الاتزان العقلي قول الإنسان: لا أعلم.

وقد أرست الشريعة هذا المبدأ بوضوح في قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]

وهي ليست دعوة للسؤال فحسب، بل قاعدة حضارية كاملة تقوم على ردّ العلم إلى أهله، واحترام الاختصاص، وإدراك حدود المعرفة الشخصية.

إن التحدي الحقيقي في عصرنا ليس كثرة المعلومات، بل القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والطرح المضلل، وبين النقد المؤسس والنقد الانطباعي.

فليس كل اعتراض كشفًا لخلل، وليس كل رأي مساويًا لغيره في القيمة العلمية.

وفي زمن أصبح الكلام فيه أسهل من أي وقت مضى، باتت الحكمة أكثر ندرة.

فالكلمة مسؤولية، والرأي أمانة، والعقل الناضج ليس الذي يملك جوابًا لكل شيء، بل الذي يعرف متى يتكلم، ومتى ينصت، ولمن يرجع حين يجهل.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال