آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 9:38 م

قمر بني هاشم

الدكتور ماهر آل سيف *

ليس العباس بن علي عليهما السلام رجلاً يُذكر فيُختصر، ولا بطلاً يُروى فيُحصر؛ فهو قمر بني هاشم، وراية الطف، وساقي العطاشى، وسيف الوفاء إذا جفّ الوفاء، ونخوة المروءة إذا نامت النخوة، وبصيرة الإيمان إذا اضطربت الأبصار، وتاهت القلوب في ليل الغبار.

هو أبو الفضل العباس، ابن علي بن أبي طالب، من بيتٍ لا يخرج منه إلا النور، ولا ينبت فيه إلا الطهر، ولا يتربّى فيه إلا من حمل للحق قلبًا، وللدين عزمًا، وللإمام عهدًا لا ينقض، ووعدًا لا يُخلف. فقيهٌ ذو بصيرة، عالمٌ لا تغرّه العاطفة، وشجاعٌ لا تطيشه الحماسة؛ يرى الحق قبل أن يصل إليه الناس، ويثبت عليه بعدما يفرّ عنه الناس.

وحين أراد أمير المؤمنين أن يتزوج بعد فاطمة الزهراء ، لم يكن يطلب بيتًا ولا نسبًا فحسب، بل كان يطلب رحمًا تُنجب فارسًا للحق، وساعدًا للحسين، وذخرًا ليوم الطف؛ فجاءت أم البنين، وجاء العباس، وكأن القدر أعدّه ليوم لا يشبه الأيام، وساعة لا تقاس بالساعات.

كان العباس لأخيه الحسن أدبًا واحترامًا، ولأخيه الحسين طاعةً وتسليمًا، ولأخته زينب كفالةً وحرزًا وحزامًا. وما أدراك ما زينب؟ وما أدراك ما كفيل زينب؟ علاقة لا تُقال كاملة، ولا تُكتب وافية؛ فيها الهيبة والحنان، وفيها الثقة والأمان، وفيها أخٌ يقف كالطود، وأختٌ تعلم أن لها بعد الله ساعدًا لا يلين، ودرعًا لا يخون.

كان يعلم أنه ابن علي، ولكنّه يعلم أن الحسن والحسين ابنا فاطمة الزهراء، وأئمة الهدى، وسفائن النجاة؛ لذلك لم يرَ القربى مباهاة، بل رآها مسؤولية ورعاية، ولم يرَ الشجاعة صولة، بل رآها حماية وكفالة. ولهذا كان العدو يهابه، والصديق يأنس به، والمحب إذا ذُكر العباس زقزق قلبه، وارتعش وجدانه، وابتسمت دموعه قبل عينيه.

وفي كربلاء، لم يكن العباس ظمآن ماء فقط، بل كان ظمآن وفاء؛ حمل اللواء لا ليُرى، وتقدّم لا ليُمدح، وقاتل لا ليُذكر، بل ليبقى الحسين محفوظ الجانب، مرفوع الراية، ثابت الكلمة. فلما سقط العباس، لم تسقط يداه وحدهما، بل انكسر ظهر المخيم، وارتجف قلب الفرات، وبكى اللواء على حامله، وبكت الخيام على كافلها.

فإن أردت أن تكون في صف هذا البطل الصنديد، فانظر إلى رحمك قبل رايتك، وإلى أخيك قبل حديثك، وإلى أختك قبل شعاراتك. لا تقطع رحمًا وأنت تذكر العباس، ولا تظلم أخًا وأنت تبكي العباس، ولا تسرق ميراث أختك وأنت تنادي: يا أبا الفضل. فالعباس ليس دمعة في مجلس فقط، بل مدرسة في البيت، ومروءة في المال، ووفاء في الخلاف، وشهامة عند الحاجة.

ومن أرادت أن تقترب من زينب، فلتقرأ ثقتها بأخيها، واحترامها لسنده، وصدق العلاقة التي لا تقوم على مصلحة عابرة، بل على طهرٍ ثابت، وأدبٍ راسخ، وفداءٍ عظيم.

فلا تلمني يا لائمي إذا تعلّق قلبي بهم؛ فهم ماتوا لأجل الإسلام، لكنهم ما ماتوا في القلوب. رحلوا عن الأرض، وسكنوا الوجدان؛ غابوا عن العيون، وأضاءوا الطريق؛ دُفنوا في كربلاء، وبقيت كربلاء بهم حيّة في كل قلبٍ محب، وكل روحٍ وفية، وكل صدرٍ يعرف أن العباس قمرٌ لا يغيب، ووفاءٌ لا يشيب، وبصيرةٌ لا تخيب.