آخر تحديث: 24 / 6 / 2026م - 7:38 م

من سيدني إلى ديربورن… رسالة شكر أعادتني إليها تغريدة إيلون ماسك

المهندس أمير الصالح *

تمهيد

دفعني حدثٌ رقمي حديث إلى كتابة هذا المقال، لكنه في جوهره رسالة شكر وتقدير لكل من أسهم في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للأجيال الصاعدة داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها.

مقدمة

من سيدني بأستراليا ومرورًا بملبورن وطوكيو اليابان وجاكرتا إندونيسيا ودلهي الهند وكراتشي باكستان وبغداد العراق والقطيف / الأحساء السعودية وإسطنبول تركيا ودار السلام بالقارة السوداء وبرلين ألمانيا ومدينة لاهاي بهولندا وباريس فرنسا ومانشستر بريطانيا ودبلن إيرلندا وانتهاءً بمونتريال كندا ومدينة ديربون ولوس أنجلوس بأمريكا، ولعدة سنوات ولأسباب مختلفة، سواء انتداب عمل أو متابعة صحية أو سياحة عائلية، هيأ الله لي الفرصة أن أحضر مجالس إحياء أيام شهر محرم الحرام «ذكرى استشهاد الإمام الحسين حفيد رسول الله ﷺ». وفي شهر محرم الحرام، حيث المحاضرات النوعية والطرح الفكري المميز والدعوة لإعادة التمسك بالقيم المثلى والأخلاق والفضيلة، في أجواء دول رأسمالية غربية متحررة من معظم القيود السماوية وشبه رأسمالية، لا سيما في دول شمال القارة الأمريكية وأوروبا الغربية. وكانت هناك عدة كتب ومقالات تكلمت وكتبت عن هوية الجيل الثاني والثالث وما بعدهما من أبناء الجاليات الإسلامية في دول غير إسلامية أو شيوعية اشتراكية في ظل العولمة الاقتصادية والعولمة الثقافية. فكان الأغلب من المفكرين والكتاب يعقد الأمل لحفظ هوية البراعم والأجيال الصاعدة من أبناء الجاليات الإسلامية عبر إحياء المناسبات الدينية الجماعية بشكل مميز وجذاب وذكي ومرموق، يجعل التواصل والتفاعل والحوار والرؤى والقناعات والمفاهيم والقيم متوائمة عبر الأجيال لأبناء الجاليات الإسلامية في كل بقاع الدنيا. فلقاءات صلاة يوم الجمعة والصوم الجماعي وانعقاد موائد الرحمن في شهر رمضان وإحياء أفراح أعياد الإسلام وإحياء ذكرى شهادة سبط النبي محمد ﷺ، الإمام الحسين ، والمناسبات الدينية الأخرى «ذكر مولد النبي / الإسراء والمعراج / المباهلة / ذكرى استشهاد الإمام علي »، روافد متدفقة كانت وما زالت تروي نهر الإيمان، ومغذيةً لترسيخ الهوية الإسلامية في قلوب براعم الجاليات الإسلامية في المهجر كما في دول مسقط الرأس للآباء والأجداد «العراق / لبنان / المغرب / الجزائر / تشاد / مصر / الصومال / باكستان / الهند / أفغانستان / …. إلخ». فألف ألف شكر لأصحاب المجالس والمساجد والحسينيات والخطباء الجادين بالطرح والتحضير القوي، وأهل الفضيلة من العلماء والأطباء والمهندسين والنقاد المبدعين والتجار والمهنيين والطلاب وأهل الخير وأهل العطاء والمشاركين وأهل البذل وأهل المواكب على الحضور، وعلى ما بذلوه وهيؤوا له لإعلاء كلمة الحق ورفع راية التوحيد وتجذير قيم دين محمد ﷺ في نفوس الأجيال الصاعدة والوقوف مع آل محمد ومواساتهم وتجديد قراءة الحقيقة وترسيخ السلوكيات الحضارية النبيلة، سواء في دول المهجر أو داخل الدول الإسلامية.

نقاش: مواكبة المنبر لخطابات وتحديات العصر

على ضوء ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، ومع وجود العالم الرقمي الموازي للواقع، سهل على الناس انتقاء الخطيب الذي يودون السماع لمحاضراته من أي بقعة في العالم والاستماع له والاتعاظ بنصائحه والتعرف على تشخيصاته للشبهات والرد عليها وتفكيكه للمعضلات والحلول المبتكرة لتجاوزها، لا سيما في أمور الأخلاق والتربية والإيمان. ولعل الهدف الأسمى من كل تلكم الخطابات والمجالس هو تزكية النفس بناء على تهذيبها وإلزامها القيم الصائبة وتجنب فخاخ الوسواس وفتن الإغواء ومرابض الشياطين. وقد أجاد، على سبيل المثال، السيد منير الخباز «حفظه الله» في منبره بولاية ميتشيغن الأمريكية عبر طرحه الأكاديمي المرموق والسلس، بمعالجة جزء من تلكم المصفوفات والشبهات والضبابيات التي تعصف بأدمغة الأجيال الصاعدة.

حوار خاطف

لناطقين باللغة العربية، بعد رحيل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي «ره»، أضحى منصب عميد المنبر الحسيني فارغًا في أوساط قلوب محبيه ومستمعيه ومريديه. إلا أن بعض الخطباء إبداعاتهم البلاغية في استنطاق منطق التشريع الإسلامي والذود عن تشريعات الإسلام ببسالة، أمر مشهود لهم به ويُشكرون عليه. أبناء الجيل Z وما بعده بالكاد يلقطون أنفاسهم من كمية المعلومات والضخ الإعلامي الذي يوجه إليهم، وعليه فإن احتراف فن التبليغ أمر أساسي لإبلاغ الأفكار النبيلة والسلوكيات المحمودة وترسيخ الوعي وإحياء البصيرة في جنباتهم.

تأمل

عندما تتاح لي الفرصة في أي مكان أنزل بها من مدن الغرب، أحاول أن أحضر أكبر قدر من المجالس والمساجد، وكذلك المحاضرات التي يتم بثها عبر الفضاء الرقمي. وبناء على المتسع من الوقت أوزع مراحل استكشافي لقراءة المشهد الثقافي ومستوى الوعي والسلوك في تلكم الجالية أو ذلك المجتمع. عند سماع خطاب أُنقِّح جودة أفكار القائل ونوعها ومحتوى الخطاب وانعكاساته بالشارع، وهذا يعكس جزءًا من منظومة الثقافة العامة التي يتنازع على طرحها كل طرف من الأطراف. شخصيًا، اليوم انزعجت كثيرًا من إعادة إرسال إيلون ماسك تغريدة غردها موقع يميني أوروبي يبغض أهل القبلة ولا يتردد في التشهير والتهكم على أهل القبلة. الإشكال في أن هكذا إعادة تحمل رسائل عدة لن أقف على تأويلها. البليونير إيلون ماسك يتابع تغريداته ما يناهز 240 مليون شخص، أي إن كل تغريدة منه لها وقع في نفوس تتبنى أفكار مختلفة ومعينة، ومنها أفكار اليمين وأفكار اليسار وأفكار التطرف. فهل يُعقل شخص بذكاء السيد إيلون ماسك أن لا يعي ما قد تحمله إعادة التغريدة لموقع يحمل الضغينة لأناس تجمعوا بترخيص رسمي ويحملون جنسية ذلك البلد لإحياء مراسم ذكرى استشهاد إمامهم؟!

التغريدة:

شخصيًّا سأؤول التغريدة على أنها التفاتة من السيد إيلون، ويتساءل عن سبب التجمع الكبير لبعض المسلمين البريطانيين في مانشستر، وبأن السيد إيلون يحترم التجمعات البشرية السلمية أينما تحدث، ويحاول فهم الدوافع والقصص التي خلفها.

رسالة شكر للجميع

النقد البناء والتغذية الراجعة والحراك الاجتماعي الفعال والثورة المعلوماتية وحضور عالم الاتصالات الرقمي القوي أحدث نقلة نوعية عبر المواسم العاشورائية المتلاحقة، فجعلت صنوف المواضيع قيد الطرح والبحث على المنابر المبدعة والخطباء الأذكياء. في هذا الموسم العاشورائي أبدع بعض الخطباء، وزاد البعض تألقًا عبر طرح تحديات اجتماعية كبرى وأفكار معاصرة برهنت قوة ومتانة فكر المدرسة الإسلامية الجعفرية في الطرح والنقاش والمعالجة والعصرنة للعلوم الفكرية الإنسانية على أنها جديرة بالريادة. من نعم الله علينا: العقل المنطقي. ومن نعم الله علينا: القدوة الحسنة «النبي محمد وآل بيته الكرام». ومن نعم الله علينا: الاهتداء لطريق الحق والحقيقة «محمد ﷺ وآل بيته»؛ فأضحى تحويل استشهاد سبط النبي ﷺ، الإمام الحسين ، بأرض كربلاء منارة هدى ومنابر حق واستنطاق حقائق واستلهام قيم ورسم معالم خرائط طريق للنجاة وتجديد فهم للإسلام بشكل أصح وأدق؛ وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على شموخ وعزة وأنفة وكرامة طريق الهداية لله.

فشكرًا لكل عالم وشيخ وطبيب وطبيبة ومهندس وعامل وموظف وموظفة وربّة منزل على الحضور والانضباط والسلوكيات المتحضرة والتفاعل الإيجابي وإثراء الحوارات والاقتداء بأهل الحق «محمد وآل بيته» والترفع عن استفزازات أهل الهياط وقذف أهل الفجور للمحصنات، لا سيما في العالم الرقمي. أضحى شهر محرم بعد تضحيات الإمام الحسين الكبرى، وعبر إحياء الأجيال لمناسبة ذكرى استشهاده، محطة تجديد ولاء للإسلام ومراجعة للنفس في الأخلاق وتجديد العهد بالقيم الإنسانية والإسلامية النبيلة ودعوة للانضباط بالسلوك الحسن وجذوة عطاء ممتدة. أهداف الإمام الحسين من أهداف رسالة جده رسول الله، وهي أمانة في عنق الشرفاء حول العالم.