عاشوراء… هل أغضب للفكرة أم لنفسي؟
سألني صديق عزيز ذات يوم؛ لماذا عندما ينفعل الإنسان خلال حوار ما، ينظر الآخرون إلى هذا الانفعال على أنّه انفعال شخصي وانتصارًا لذات المنفعل، بينما الحقيقة هو انفعال للموضوع، فكيف يستطيع المنفعل شرح وبيان هذا الانفعال وتغيير نظرتهم؟
في كثير من الحوارات الفكرية والاجتماعية والتربوية، قد يحتد النقاش وترتفع نبرة أحد المتحاورين، فيسارع البعض إلى اتهامه بالشخصنة أو التعصّب لرأيه، بينما يكون الواقع مختلفًا تمامًا. فليس كل انفعال دفاعًا عن الذات، كما أنّ الهدوء ليس دائمًا دليلًا على الموضوعية. وهنا تبرز أهمية الوعي في التمييز بين الانفعال للذات والانفعال للموضوع.
فالإنسان بطبيعته كائن متفاعل مع ما يؤمن به من قيم ومبادئ وأفكار. وعندما يرى فكرة يعتقد بخطئها أو سلوكًا يخالف ما يراه حقًا وصوابًا، فقد ينفعل دفاعًا عن المبدأ لا عن نفسه. غير أنّ المشكلة تبدأ عندما يعجز الإنسان عن التمييز بين الأمرين، أو عندما يعجز الآخرون عن قراءة حقيقة هذا الانفعال.
الوعي في هذه الحالة يمثل مرآة داخلية تساعد الإنسان على اكتشاف الدافع الحقيقي وراء مشاعره. فقبل أن يسأل: ”لماذا لم يقتنعوا برأيي؟“، يسأل نفسه: ”لماذا أغضبني الأمر أصلًا؟“. هل لأنّ الحقيقة لم تُفهم كما ينبغي؟ أم لأنني شعرت بأنّ مكانتي أو رأيي أو صورتي أمام الآخرين قد تعرضت للاهتزاز؟
إنً الانفعال المرتبط بالأنا غالبًا ما يدور حول إثبات الذات والانتصار للنفس، ولذلك يتحوّل الحوار فيه من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص. أمًا الانفعال المرتبط بالموضوع فيبقى متمحورًا حول القضية نفسها، مهما تغيّر الأشخاص أو تبدّلت الظروف.
لقد أرشد القرآن الكريم إلى خطورة تحكّم الأنا في المواقف حين قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206]. فالمشكلة هنا لم تكن في غياب المعرفة، وإنّما في رفض النفس أن تتراجع أو تعترف أو تراجع موقفها. وفي المقابل، يصف القرآن أصحاب الوعي بقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17-18]، فهم لا يبحثون عن تأكيد آرائهم بقدر ما يبحثون عن أفضل الآراء وأقربها إلى الحق.
فمن مدرسة أهل البيت
نتعلم أنّ الحقيقة أكبر من الأشخاص، وأنّ قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على الانتصار لرأيه، بل بقدرته على الانتصار للحق. فقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب
قوله: ”انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَنْ قال“، وهي دعوة صريحة إلى تحرير العقل من التحيّز للأشخاص والتركيز على جوهر الفكرة. كما روي عنه
: ”ثمرة العقل مداراة الناس“، في إشارة إلى أنّ الحكمة الحقيقية لا تقتصر على صحة الموقف، بل تشمل حسن إدارة الحوار واحترام المختلفين.
إذا أردنا أن نبحث عن نموذج عملي يميز بين الانفعال للذات والانفعال للموضوع، فلن نجد أوضح من موقف الإمام الحسين
في كربلاء. فمنذ خروجه من المدينة وحتى لحظة شهادته، لم يكن مشروعه قائمًا على ثأر شخصي أو خصومة ذاتية مع أحد، وإنّما كان قائمًا على الدفاع عن الدين وقيم العدالة والإصلاح.
وقد لخّص الإمام الحسين
هدفه بقوله المشهور: ”إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي“. فلو كان انفعاله للذات لكان حديثه عن حقوقه الشخصية أو مظالمه الخاصة، لكنّه جعل القضية قضية أمّة ورسالة ومبدأ.
ومن المشاهد اللافتة في يوم عاشوراء أنّ الإمام
ظل يخاطب القوم بالحجة والمنطق رغم أنّهم جاؤوا لقتاله. كان بإمكانه أن يجعل المعركة ساحة للسباب والانتقام، لكنّه لم يفعل، لأنّه كان غاضبًا للحق لا لنفسه. ولذلك كان يقول لهم: ”فإن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارًا في دنياكم“. حتى في أشد لحظات الألم والانفعال بقي يخاطب ضمائرهم وعقولهم.
كما أنّ موقف الحر بن يزيد الرياحي
يمثل درسًا آخر في هذا المجال. فعندما أدرك خطأ موقفه لم يمنعه كبرياؤه من الاعتراف بالحقيقة والرجوع إليها. لقد انتصر للموضوع على حساب الذات، وللحقيقة على حساب المكانة الاجتماعية والعسكرية. وهذا من أبرز تجليات الوعي؛ لأنّ الانفعال للذات يدفع الإنسان إلى المكابرة، بينما الانفعال للحقيقة يدفعه إلى التراجع عند ظهور الحق.
ومن جهة أخرى، نرى أنّ بعض قادة جيش بني أمية كانوا يدركون مكانة الإمام الحسين
، لكنّهم لم يستطيعوا التحرر من حسابات الذات والمصالح والمواقع الاجتماعية. فغلبت الأنا على الحقيقة، وغلب الخوف على القناعة، وكانت النتيجة الانحياز إلى الباطل مع وضوح الحق.
إنّ كربلاء تعلّمنا أنّ الإنسان الواعي ليس مَنْ لا ينفعل، بل مَنْ يعرف لماذا ينفعل. فالإمام الحسين
كان يحمل أعظم درجات الغيرة على الدين والإنسان والكرامة، لكنّ هذه الغيرة لم تتحول إلى انتقام شخصي، بل بقيت منضبطة بقيم الرحمة والحكمة والحجة. ومن هنا كان انفعاله انفعالًا للموضوع والمبدأ، لا انفعالًا للذات والأنا.
في الوقت نفسه، تقع على عاتق الشخص المنفعل مسؤولية توضيح مقصده للآخرين، إذ ليس كل الناس قادرين على التمييز بين الغيرة على الفكرة والدفاع عن الذات. لذلك من الحكمة أن يصرّح المتحدث بأنّه يناقش الفكرة لا الشخص، وأن يؤكد احترامه للطرف الآخر حتى مع اختلافه معه، وأن يستخدم لغة الحوار بدلاً من لغة الاتهام.
إنّ أعظم ما يقدمه الوعي للإنسان هو قدرته على الفصل بين ذاته وأفكاره. فالفكرة قد تكون خاطئة دون أن يكون صاحبها سيئًا، وقد يكون الاختلاف في الرأي فرصة للنمو لا سببًا للخصومة. وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة، يصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وأكثر استعدادًا للتعلّم، وأقل تعلقًا بإثبات ذاته.
إنّ المجتمعات الواعية لا تقاس بعدد المتفقين فيها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف باحترام. وعندما نتعلم أن ننفعل للحقيقة دون أن نتعصّب لأنفسنا، وأن ندافع عن المبادئ دون أن نهاجم الأشخاص، نكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو بناء ثقافة حوارية راقية، يكون فيها الانتصار للفكرة الصحيحة أهم من الانتصار للرأي الشخصي، ويكون الهدف من الحوار الوصول إلى الحقيقة لا إثبات الذات.













