المسلمون والتعارف الحضاري: أي تصور؟
ثمة أسئلة تنتظر أجوبتها في الصالونات الأكاديمية، وثمة أسئلة تطرق الأبواب بعنف وتُطالب بالإجابة الآن، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة بالذات، حيث سؤال التعارف الحضاري من النوع الثاني لا الأول، كونه ليس ترفاً فلسفياً يتسلى به المفكرون في ساعات الفراغ، بل هو سؤال من يريد أن يعرف أين يقف وسط هذا العالم، وماذا يُقدّم للتاريخ، واي مشروع حضاري يريد من الآخرين قراءته في مرحلة تتشكل فيها خارطة القوى الكونية من جديد.
المسلم المهتم بأمر أمته اليوم، يتساءل وهو يرى حضارته في حالة تقلّص ومراجعة وأحياناً انكسار: أيَّ تعارف نريد مع الحضارات الأخرى؟ والأدق: هل نحن أهلٌ للتعارف أصلاً؟ هل نملك نتحكم فيما نطمح ان نُعرِّفه؟
القرآن الكريم لم يترك الأمر غامضاً، في آية واحدة، في سورة الحجرات، رسم مشروعاً حضارياً كاملاً من أوله إلى آخره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، إنها آيةٌ تبدأ بالأصل الإنساني المشترك، وتمر بالتنوع الحضاري المنشود، وتنتهي بمعيار التقويم الأخلاقي، ثلاث مقتضيات لا يصح الاكتفاء بواحدة منها دون الباقيين، وإلا انهار الصرح كله.
فالجَعل: حين يكون التنوع برنامجاً لا حادثة، لعلنا نتساءل: ما الذي يجعل هذه الآية استثنائيةً في موضوع الحضارة؟ الجواب في فعل واحد: ”جَعَلَ“، لأنه لو قال القرآن ”خلقناكم شعوباً وقبائل“ لكان الأمر إخباراً عن واقعة تكوينية، بينما قول الله تعالى ”جَعَلْنَاكُمْ“، وهو فعل يحمل في العربية معنى التحويل القصدي نحو غاية مُضمَرة أو مُصرَّح بها، بالتالي الجعل يعني أن التنوع الحضاري ليس عرضاً تاريخياً، ولا نتيجة لتفرق جغرافي عشوائي، بل هو تصميم إلهي مُقصود لغاية يُعلنها القرآن مباشرةً: التعارف.
هنا يقع الكثير من المفكربن في خطأ منهجي فادح حين يُختزل التعارف في ”التعايش السلمي“ أو ”حوار الأديان“، لكن التعارف أعمق من ذلك بكثير، ف ”تَعارَفُوا“ في العربية فعلٌ مُشترَك تفاعلي متبادل، يعني أن يُعرِّف كل طرف الآخرَ على حقيقته الداخلية، على رسالته ونسيجه القيمي وتجربته في الحياة، لا على العرض البراني وواجهته الإعلامية، التعارف الحق هو التكاشف المعرفي المتبادل في الجوهر، لا التجاور البارد في المظهر.
والأشد دلالةً أن اللام في ”لِتَعَارَفُوا“ هي لام الغاية، وهي أقوى أدوات التعليل في العربية، أي أن الكون لم يتنوع حضارياً اعتباطاً، بل تنوّع لغاية التعارف، هذا يعني أن الأمة التي تنكفئ على نفسها وتُعرض عن التعارف الحضاري تخون غاية الوجود الكوني ذاته.
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، هيمنت ثلاثة مقاربات كبرى على مشهد التفكير في العلاقة بين الحضارات، وقد آن الأوان لمحاكمتها محاكمة صارمة:
أولاً — مقاربة الصدام: أعلنها صمويل هنتنغتون سنة 1996 م وهو يقول إن الحضارات ستصطدم لأنها تختلف في جوهرها، وأن خطوط الكسر الحضارية ستحل محل الأيديولوجيات الباردة، وقد كان هذا النموذج في حقيقته ليس توصيفاً علمياً بريئاً، بل أيديولوجيا مُلبَّسة بزي أكاديمي، تُشرعن الهيمنة الغربية وتُضفي على الخوف من الإسلام والكونفوشية طابعاً حضارياً، ومع ذلك، والخطير في الأمر، أن بعض المسلمين تبنّوا هذا النموذج عن غير وعي، فجعلوا من ”الصدام“ مشروعاً حضارياً بديلاً، وهو إلباس الهزيمة ثوب المقاومة.
ثانياً — مقاربة الحوار: جاءت رداً على الصدام، وصارت شعاراً يرفعه الجميع من الأمم المتحدة إلى المنظمات الدينية إلى المنتديات الثقافية، بيد أن الحوار، بصيغته السائدة، ظل في أغلب أحواله مجالسةً فاخرة بلا رهان حقيقي؛ حوارات تُعقد في فنادق مُكيَّفة للتكاذب، وتنتهي إلى بيانات دبلوماسية تُعلن احترام التنوع وتُثبّت واقع الهيمنة، حيث الحوار الذي لا يستند إلى توازن في الفاعلية الحضارية هو مونولوج يُؤدّيه طرف واحد ويستمع إليه الآخر مُتذللا بائسا مغلوبا مستسلما..
ثالثاً — مقاربة التعارف: وهي الأطروحة البديلة التي انبثقت من رحم القرآن وأعلنها المفكر السعودي الدكتور زكي الميلاد عام 1997 م في مقالة غيّرت مجرى الحوار الفكري، إذ رفض الأطروحة الهنتنغتونية ورفض معها الحوار الفارغ، ودعا إلى نموذج تتعرف فيه الحضارات على بعضها معرفةً عميقة دون أن تتوهم إمكانية الإلغاء أو الاختزال، هذه المقاربة تعتبر الأقرب إلى روح الجعل القرآني، شريطة أن نملأها بمحتوى حضاري حقيقي لا بمجرد كلام على الحضارة.
القرآن يُعلن الغاية، والعقل يُحدد المرتكزات والشروط، والتاريخ يُقدّم الشواهد. والتعارف الحضاري الأمثل يرتكز على ثلاثة مرتكزات لا مهرب منها:
المرتكز الأول — أن تكون لك هوية قابلة للتعريف، لا يُتصوَّر تعارف بين طرف يحمل مشروعاً حضارياً وآخر يفتش عن هويته أو يستعيرها من الطرف الأول، هكذا التعارف يتأسس على ”القابلية على التعارف“، أي امتلاك مشروع داخلي متماسك، نسيج قيمي حيّ، وإنتاج معرفي فاعل، لأن الأمة التي لا تُنتج معرفةً لا تملك ما تُعرِّفه للآخرين، وحضورها في الجلسة الحضارية الكونية لن يعدو كونه تابعاً مُؤدَّباً.
المرتكز الثاني — أن تعرف الآخر من الداخل لا من أعدائه، التعارف الذي يقوده القرآن هو معرفة استيعابية لا استئصالية، وقد كان النموذج النبوي في التعامل مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي درساً بليغاً: ثلاثة أشخاص من حضارات مختلفة، استُوعبت تجاربهم، ورُفعت قيمتهم الإنسانية، وحُوِّلت خبرتهم الحضارية الخاصة إلى رصيد في بناء الأمة الجديدة، لم يُطلب منهم أن يمحوا ماضيهم، بل أن يرفعوه نحو الأعلى.
المرتكز الثالث — أن يكون الميزان قيمياً لا مادياً. ختام الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ليس مجرد تذكير أخلاقي عابر، بل هو قلب المشروع الحضاري القرآني، حيث إنه يُسقط معيار القوة المادية كمقياس وحيد للتفاضل الحضاري، ويُؤسّس معياراً بديلاً: الإسهام في إعلاء الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل ورفع الظلم، وهذا يعني أن الأمة الإسلامية، حتى في ضعفها المادي الراهن، قادرة على خوض التعارف الحضاري بمصداقية إذا صدقت في حمل هذه القيم وتجسيدها أمام التاريخ.
يواجه المسلمون اليوم ثلاثة رهانات قد تبدو متناقضة لكنها تؤدي جميعها إلى الطريق المسدود ذاته:
رهان الانكفاء الذي يقول: احتفظ بهويتك بالانعزال عن العالم، وهو خطاب يبدو دفاعاً عن الأصالة لكنه في الحقيقة هروب من المسؤولية الحضارية، كون الهوية التي لا تُجرَّب في ملتقى الحضارات هوية قاتلة أو ميتة لا حيّة، وإسلام لا يُقدّم رسالته للعالم إسلامٌ يخون أحد غايات ومقاصد وجوده الكوني.
رهان الذوبان القائل: الحداثة الغربية هي الحضارة الإنسانية الكونية الوحيدة، فإما أن تنخرط فيها كاملاً أو تبقى على هامش التاريخ، وهو رهان يستبطن خنوع وخضوع وقبول بالهزيمة، حيث يعتمد منطق القوة ذاته الذي يدّعي نقده، لأن الانخراط الكامل دون رسالة مستقلة ليس تعارفاً بل استسلاماً بصورة قد تبدو مشرَّفة.
رهان الصدام الذي يريك الحضارة الأخرى هي العدو الوجودي، فالمعركة لا مناص منها، وهذا أخطر الرهانات الثلاثة لأنه يُلبَّس لبوس الحمية الدينية، فيصادر الغاية القرآنية من الداخل وينتج هنتنغتوناً مسلماً يؤدي الدور ذاته من الطرف المقابل.
”التعارف البنّاء“ هو البديل الأمثل الذي يُقرّ بأن الحضارات متنوعة ومختلفة، لكنها ليست عدوّة بالضرورة؛ يُؤمن بأن للإسلام رسالة حضارية فريدة، لكنه لا يدّعي أنه يحمل الحقيقة الوحيدة في كل مسائل الحياة؛ يدعو إلى استيعاب المنجز الإنساني الكوني، لكن من موقع الفاعل المُبادِر لا المتلقّي المُستهلِك أو التابع المقهور.
هذا البديل يتطلب جرأةً غير معتادة على مستويات ثلاثة:
فكرياً: الانخراط في إنتاج المعرفة الكونية، وصياغة المفاهيم الكبرى، والمشاركة في رسم السؤال الحضاري لا فقط في الإجابة عنه.
أخلاقياً: تجسيد مبدأ الكرامة الإنسانية الكونية والعدل والشهادة على الشعوب قبل الدعوة إليها، لأن الفعل أبلغ من الخطاب.
سياسياً: استعادة القابلية الداخلية على التعارف بتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية التي تُفرغ الهوية الحضارية من محتواها وتجعل ”التعريف بها“ مجرد إحراج.
اللام في ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لم تُنزَع من الآية بمرور التاريخ، إنها تقف ثابتة في النص، تُطالب بالإيفاء بها في كل عصر وجيل، بينما المحزن أن أمةً أُنيطت بها هذه الرسالة الكونية الكبرى باتت في كثير من أحوالها موضوعاً للتعارف لا فاعلاً فيه؛ تُدرَس في الأطروحات الاستشراقية وتُحلَّل في مراكز الأبحاث الغربية بدلاً من أن تكون هي من يُقدّم نفسها بنفسها للتاريخ، إلا أن الأزمة ليست نهاية المطاف، فالقرآن حين قرر ”الجعل“ لم يجعله لأمة واحدة في لحظة واحدة، بل جعله مشروعاً إنسانياً مفتوحاً، وكل جيل يُدرك الغاية ويُصرّ على الإيفاء بها معيداً كتابة الحظ الحضاري لأمته من نقطة جديدة.
أيّ تعارف نريد؟ ذاك الذي ينهض فيه المسلمون شركاءَ صانعين لا متفرجين مستضعفين متألمين، لامفعول بهم ولافيهم بل فاعلين، ويُقدّمون للتاريخ رسالة قابلة للتعريف لأنها حية ومتجددة وحاملة لإجابة على السؤال الذي لا تزال الإنسانية تبحث عنه: كيف نعيش معاً دون أن يُلغي بعضنا بعضاً، وكيف نتنوع دون أن نتصارع؟
ذلك هو الجعل القرآني في كمال بيانه، وتلك هي الأمانة الثقيلة التي لن ينهض بها إلا من آمن أن الحضارة ليست ترفاً بل واجب، وأن التعارف ليس خياراً بل رسالة أمة شاهدة على الناس ورسول الله ﷺ شاهد عليها..













