آخر تحديث: 25 / 6 / 2026م - 9:04 م

حين يتحول النقد إلى تشويه… من يستهدف موسم محرم؟

عبد الله أحمد آل نوح *

مع إطلالة شهر محرم من كل عام، تتجه الأنظار إلى المجالس الحسينية التي شكّلت عبر قرون طويلة إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية والدينية والثقافية في مجتمعاتنا. فهي لم تكن يوماً مجرد تجمعات عاطفية مرتبطة بحدث تاريخي، بل كانت — وما زالت — مدرسة تصنع الوعي، وتربي الأجيال، وتحفظ منظومة القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين .

ورغم هذا التاريخ العريق، يبرز بين الحين والآخر من يحاول تسليط الضوء على الجوانب السلبية أو الحالات الفردية الاستثنائية، ثم تقديمها وكأنها تمثل الصورة الكاملة لموسم محرم. والمؤسف أن بعض هذه الطروحات لا تنطلق من حرص حقيقي على الإصلاح، بقدر ما تنطلق من رغبة واضحة في إثارة الجدل وصناعة حضور إعلامي قائم على المخالفة.

من السهل جداً أن يبحث الإنسان عن الثغرات، وأن يقتطع مشهداً هنا أو ممارسة هناك، ثم يبني عليها أحكاماً واسعة. لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى المشهد كاملاً، لا إلى زوايا منتقاة بعناية لخدمة رأي مسبق.

الطرح الذي يتكرر كثيراً هو الدعوة إلى أن يتحول موسم محرم إلى موسم تثقيفي بحت، وكأن الخطباء والعلماء طوال العقود الماضية كانوا بعيدين عن هذا الدور. وهذه دعوى تفتقر إلى الدقة والعدالة.

فالحقيقة أن المنبر الحسيني لم يكن يوماً منبراً للعاطفة المجردة فقط. من يتابع بموضوعية يدرك أن المجالس الحسينية ناقشت ولا تزال تناقش قضايا العقيدة، والأسرة، والأخلاق، والتربية، والوعي الاجتماعي، والانحراف الفكري، ومسؤولية الفرد تجاه مجتمعه. بل إن كثيراً من الوعي المجتمعي الذي نراه اليوم تشكل عبر هذه المنابر.

الأكثر غرابة هو محاولة البعض الربط بين إحياء الشعائر الحسينية وبين احتمالات ”التطرف“، وكأن موسم محرم قد يصبح بوابة للتشدد أو الانغلاق. هذا الربط لا يصمد أمام أي قراءة منصفة.

كيف يمكن لمدرسة قامت على رفض الظلم، ونصرة الحق، وصيانة الكرامة الإنسانية أن تكون مصدراً للتطرف؟

كيف يمكن لثورة شعارها الإصلاح أن تُتهم بصناعة الانغلاق؟

الإمام الحسين خرج ليعيد للإنسان وعيه، لا ليصادر عقله. خرج ليوقظ الضمير، لا ليغذي التعصب. ومن يتأمل جوهر كربلاء يدرك أنها مدرسة بصيرة قبل أن تكون مدرسة عاطفة.

نعم، لا يوجد عمل بشري كامل، ولا يوجد موسم أو نشاط اجتماعي يخلو من الحاجة إلى التطوير. والنقد البنّاء مرحب به دائماً، بل هو ضرورة للنهوض والارتقاء. لكن يجب أن نفرّق بوضوح بين نقد يريد الإصلاح، ونقد يعيش على صناعة الضجيج.

فهناك من لا يجد لنفسه مساحة حضور إلا عبر تبني الرأي المخالف، لا لأنه الأكثر صحة، بل لأنه الأكثر إثارة. يعارض لا بحثاً عن الحقيقة، بل بحثاً عن الأضواء. وهنا يتحول النقد من أداة إصلاح إلى وسيلة استعراض.

ليس كل اعتراض وعياً، وليس كل مخالفة شجاعة فكرية.

أحياناً يكون الصمت أمام الحق ضجيجاً، ويكون الضجيج حول الباطل مجرد فراغ.

محرم ليس موسماً عابراً، ولا فعالية سنوية قابلة للاختزال في ملاحظات سطحية. إنه ذاكرة أمة، وضمير مجتمع، ومدرسة أخلاقية مستمرة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. وفي كل عام يثبت هذا الموسم قدرته على صناعة الأثر في النفوس، وتجديد الصلة بالقيم الكبرى: العدالة، والكرامة، والحرية، والوعي.

لذلك فإن الإنصاف يفرض علينا ألا نسمح لبعض الأصوات الباحثة عن الجدل بأن تشوّه هذه الصورة أو تختزل هذا الإرث العظيم.

يبقى محرم أكبر من محاولات التشويه، وأعمق من القراءات السطحية، وأصدق من الأصوات التي تعيش على الإثارة.

وسيبقى الحسين — كما كان دائماً — صوتاً للإصلاح، ومنارةً للوعي، ومدرسةً تربي الإنسان قبل أن تخاطب مشاعره.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال