عاشوراء… حين يسبق الجسد الدعاء
في كل موسم حسيني تتجدد المجالس التي تُحيي ذكرى نهضة الإمام الحسين
، ويجتمع المؤمنون للاستماع إلى الموعظة واستلهام القيم والمبادئ. لكنّ مشهدًا يتكرر في كثير من المجالس يستحق وقفة تأمل؛ فبمجرد أن ينهي الخطيب حديثه ويبدأ بالدعاء للمؤمنين والأموات وأصحاب الحاجات، يبادر بعض الحاضرين إلى مغادرة المجلس، وكأنّ المجلس قد انتهى، غير ملتفتين إلى ما يسببه ذلك من تشويش على الأجواء الإيمانية وإرباك لمن بقي منصتًا للدعاء.
إنّ الوعي الإسلامي يعلّمنا أنّ الدعاء ليس فقرة ثانوية، بل هو عبادة عظيمة أمر الله بها. يقول تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. فكيف يحرص المؤمن على حضور المجلس ثم يحرم نفسه من اللحظات التي تُرفع فيها الأكف إلى الله تعالى؟
كما يؤكد القرآن على أدب الاستماع واحترام المجالس، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. وإذا كان الإنصات مطلوبًا عند تلاوة القرآن، فإنّ المحافظة على السكينة والخشوع في خاتمة المجلس والدعاء أولى بأن تُراعى، لما فيها من احترام للشعائر ومشاعر الحاضرين.
وفي روايات أهل البيت
تأكيد على اغتنام مواطن الدعاء والاجتماع على ذكر الله. فقد ورد عن الإمام الصادق
: ”عليكم بالدعاء فإنّكم لا تتقربون إلى الله بمثله“، فالدعاء ليس خاتمة شكلية للمجلس، بل هو ثمرة ما سمعه المؤمن من موعظة وذكر.
ومن واقعة الطف نتعلم هذا الأدب بأجلى صوره. فالإمام الحسين
وأهل بيته وأصحابه
كانوا يعيشون حالة الارتباط بالله حتى في أصعب اللحظات. لم تكن ليلة عاشوراء ليلة اضطراب أو انشغال بالدنيا، بل تحوّلت إلى ليلة دعاء وعبادة وتلاوة للقرآن. كما أنّ الإمام زين العابدين
والسيدة زينب
واصلوا الدعاء والتوجه إلى الله رغم ما أحاط بهم من مصائب وآلام.
إنّ الرسالة التي تقدّمها كربلاء هنا هي أنّ العلاقة مع الله لا تنتهي بانتهاء الخطاب أو الحدث، بل تبلغ ذروتها عند التوجّه إليه بالدعاء. ومن هذا المنطلق فإنّ مغادرة المجلس أثناء الدعاء لا تنسجم مع روح المدرسة الحسينية التي أرادت للمؤمن أن يكون حاضر القلب حتى آخر لحظة.
إنّ الوعي الحقيقي يدعونا إلى احترام المجالس الحسينية وآدابها، والحرص على البقاء حتى انتهاء الدعاء، لا مجاملة للخطيب أو المنظمين، بل تعظيمًا لشعائر الله، وحفاظًا على خشوع المؤمنين، واغتنامًا للحظات قد تكون من أرجى ساعات استجابة الدعاء. فربّ دعوةٍ صادقة في خاتمة مجلس حسيني كانت سببًا في تفريج كربة، أو شفاء مريض، أو رحمة لميت، أو هداية لقلبٍ يبحث عن النور.













