عاشوراء بين المحاضرة والنعي
عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى سيد الشهداء الإمام الحسين
.
عاشوراء ليست موسم حزن عابر، ولا مجلس دمعة وتنتهي؛ بل هي مدرسة لا نظير لها في عالم المعرفة، ومنبر لا يشبه سواه في صناعة الوعي، وتهذيب القلب، وربط الإنسان بربه ودينه ومجتمعه. ففي كل مجلس عزاء، صباحًا أو عصرًا أو مساءً، يفتح الخطيب بابًا من أبواب العلم، ويأخذ المستمع إلى عالم واسع من الفكر، والتربية، والأخلاق، والتاريخ، ثم يربط ذلك كله بكربلاء؛ حيث الدم الطاهر، والموقف الخالد، والرسالة التي لا تموت.
ولكل خطيب طريقته ونَفَسه؛ فمنهم العاطفي، ومنهم العقلاني، ومنهم الاجتماعي، ومنهم المتخصص، ولكن الخطيب الحسيني الناجح هو من يجمع بين البيان والبرهان، وبين الفكرة والعَبرة، وبين العقل والدمعة. يبدأ بمقدمة تهيئ القلب، ثم يدخل إلى صلب الموضوع ليغذي العقل، ثم يربطه بالحياة اليومية حتى يشعر المستمع أن الكلام يعنيه، وأن الرسالة تخصه، ثم يختم بالنعي ليعيد الروح إلى كربلاء، ويثبت المعنى في الوجدان قبل الأذهان.
ومن هنا بقيت واقعة الطف حاضرة في القلوب، لا لأنها قصة حزينة فقط، بل لأنها عاطفة مؤمنة، ومعرفة صادقة، ومبدأ لا ينكسر. ولعل سر قوة الجيل السابق وعمق ارتباطه بأهل البيت
، أن المجلس كان مشبعًا بذكر كربلاء، مغموسًا بقصص أهل البيت، قريبًا من الدمعة، حاضرًا في الوجدان؛ فكانت العاطفة جسرًا إلى الإيمان، والنعي بابًا إلى الولاء، والدمعة عهدًا لا ادعاء.
واليوم، مع سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الكتب والشبكات، تبقى الحاجة أكبر إلى العاطفة الحسينية الصادقة؛ فالمعلومة قد نجدها في كل مكان، أما حرارة كربلاء فلا تولد إلا على المنبر، ولا تسكن إلا في القلب. لذلك ليت بعض المجالس تعود إلى مساحة أوسع من السيرة والواقعة والنعي، دون إلغاء المحاضرة والثقافة، بل بموازنة تحفظ للمجلس روحه، وللمنبر هيبته، وللجمهور دمعة لا تنطفئ.
فليكن عندنا خطباء للثقافة والواقعة، وخطباء يحيون واقعة كربلاء بتفاصيلها ومصابها، حتى يبقى الحسين
علمًا في العقل، ودمعة في العين، وولاءً في القلب، وعملًا في الوطن والمجتمع؛ لأن الارتباط بأهل البيت ليس مصلحة عابرة، بل إيمان يربي، ووفاء يبني، ونور يهدي.
عظّم الله أجوركم.













