على عتبات الخلود
حين يقف التاريخ واجماً أمام العظماء، ينحني إجلالاً عند أعتاب الحسين بن علي «عليهما السلام». لم يكن الحسين مجرّد فكرة عابرة في خط الزمن، بل كان —وما زال— منارةً هزّت ضمير البشرية، ونوراً أبديّاً بدّد عتمة الانحراف. مآثره ليست حكايات تُروى في بطون الكتب، بل هي نبضٌ يتحرك في عروق السائرين على درب الهدى، هو ابن فاطمة البتول وعليّ المرتضى، الذي ورث طهر النبوة وشجاعة الإمامة. إن الحديث عن مآثر الحسين هو حديث عن العطاء في أسمى تجلياته، وعن الصبر حين يغدو الصبر جهاداً نفسياً عظيماً، وعن التضحية التي ارتقت بالقيم الإنسانية لتصنع للأمة فجرها الندّي.
في تلك البقعة القاحلة التي احتضنت جسده الشريف، تحوّلت كربلاء من مجرد جغرافيا صامتة إلى ملحمة عشقٍ إلهي لا تنتهي. هناك، حيث التقت حرارة الشمس بحرارة القلوب الوالهة، كان الحسين
يقف كالطود الأشم، يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن وروحٍ متصلة بالسماء.
كربلاء لم تكن مواجهة عابرة، بل كانت إعادة صياغة للضمير الإنساني وتزكيةً للنفوس. نتأمل في تفاصيلها الحميمية، فنرى:
عطش الطف: الذي لم يكن عطشاً للماء فحسب، بل كان ظمأً لإعلاء كلمة الحق والقيم السامية.
دموع العقيلة زينب: وهي تراقب أركان الهدى تُهدّم، لكنها بحجم الفجيعة وقفت لتقول بلسان اليقين: ”ما رأيتُ إلا جميلاً“.
بصمات التضحية: التي طُبعت على رمال الطف، من نحر الرضيع إلى ثبات الأصحاب الذين تنافسوا على الفداء بين يدي إمامهم.
إنها حكاية تفيض بالدموع، لكنها دموع تطهر الأرواح، وتزرع فينا لوعة لا تبرد أبداً، تذكرنا دائماً بأن المبادئ الحقة لا تموت ما دام لها قاصدون يبذلون المهج دونها.
إن تجديد العهد للحسين
لا يكتمل بالبكاء والندبة فحسب —وإن كانت الدمعة عليه طهارة وبصيرة— بل يكتمل حين نتحرك في الحياة وتحمل سلوكياتنا ”بصمات حسينية“ حية في الأخلاق والتعامل.
بَصَمَاتُ عاشُوراءَ في وِجْدَانِنَا
نُورٌ يُضِيءُ بَصَائِرَ الأَبْرَارِ
جَسَدٌ على رَمْلِ الطُّفُوفِ مُوَزَّعٌ
لَكِنَّهُ أَحْيَا هُدَى المُخْتَارِ
يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ نَهْجُكَ قُدْوَةٌ
نَمْشِي عَلَيْهِ بِعِزَّةٍ وَفَخَارِ
فَالدَّمْعُ طُهْرٌ فِي أَسَاكَ وَإِنَّمَا
سَيْرُ المَسِيرِ بَصْمَةُ الأَنْوَارِ
حين نعيش قيم الحسين في بيوتنا، وأعمالنا، ومجتمعاتنا، نكون قد نقلنا كربلاء من التاريخ إلى الحاضر، وحوّلنا العزاء إلى منهج حياةٍ وتربية. لنترك في هذا العالم بصمة طهرٍ واستقامة، مستمدين من الحسين شعاعاً ينير دروبنا حتى نلقاه على الحوض، مستمسكين بنهجه، سائرين على خطاه.
وعلى الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، سلامٌ دائمٌ ما بقي الليل والنهار.













