في الخالدين
في كل عام، نستذكر هذه الشعائر المباركة العطرة، المحمّلة بالمشاعر الإيمانية والروحانية، وبفيضٍ من العواطف والمحبة لهذه الذكرى العظيمة. إنه ارتباطٌ وجداني عميق، قد لا ينفك أبدًا بينك وبين من تحب. فكلما اقتربت لحظات الملحمة الكبرى، سارت خطواتك إليها لا إراديًا، بشعورٍ لا يمكنك وصفه إلا بأنه نداءٌ يخاطبك من خلف السماء؛ وما ذلك إلا هوًى استوطن الفؤاد لتلك الناحية المباركة التي جسدت المعنى الحقيقي للإصلاح والتوجيه، ورسخت قيم الحق والمبادئ الأصيلة.
إنك لا تبكي فقط على الأسماء في ارتباطها الوجودي والتكويني، وإنما تبكي على الجوهر والمضمون المرتبطَيْن بتلك الأسماء، بل تبكي على ضياع بوصلة الحق، التي تمثل نجاة الإنسان من الضياع والتيه.
تتعاقب الدروس على مسامعنا عامًا بعد عام، وتتكرر العِبر في محاولةٍ لأن تطرق أبواب العقول والقلوب، لعلها تنفتح، فتجد طريقها إلى الهداية، ولكن… ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
فيا ترى… هل من متذكر؟ وهل من مراجعٍ لنفسه، محاسبٍ لها؟
ليست العبرة واقعًا بالحضور، ولا بالكثرة، ولا بتكرار المجالس، وإنما بالإحساس القلبي، فهل وجد كل ذلك طريقه إلى الروح؟ وهل أعاد صياغة النفس البشرية، ليُحدِث فيها ثورةً تعيد الإنسان إلى رشده، وتسلك به طريق التغيير والإصلاح؟
هل خرجنا من دائرة الاستماع إلى ميدان العمل، ومن التأثر العابر إلى التحول الصادق؟ فالقضية لم تكن يومًا بأن تفيض العيون بالدموع فحسب، وإنما بأن تستقيم الجوارح على ما آمنت به القلوب، وأن تتحول القيم التي نحملها في المجالس إلى واقعٍ نعيشه في تفاصيل حياتنا.
لقد جعل الله لنا في رسول الله ﷺ أسوةً حسنة، وجعل أهل بيته صلوات الله عليهم الامتداد الصادق لتلك الأسوة لمن كان له قلب يؤمن بالحق يقينًا لا لَبْسَ فيه ولا تشكيكَ. هم حقًا دعاة الإسلام النقي، وسفن النجاة. وحَرِيٌّ بنا أن نتبعهم في كل ما جاءوا به من الهدى، لأنهم النور الإلهي المُرسَل للبشرية جمعاء.
وقد جسَّد الجواهري هذا المعنى في أعظم صوره في ملحمته الرائعة «آمنت بالحسين». وقد انتقيتُ منها هذه الأبيات:
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ
فَذَّاً، إلى الآنَ لم يُشْفَعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لم أُرَعْ
بِأَعْظَمَ منها ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون
لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ
مِنَ الأكهلين إلى الرُّضَّعِ













