آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 7:51 م

لم تَغِبْ أصلًا

عماد آل عبيدان

هل بقيت عاشوراء لأن الناس عادوا إليها؟ أم أن الناس لم يغادروها أصلًا؟

كل عام يُقال إن الذكرى عادت..

وأتساءل أحيانًا.. متى رحلت حتى تعود؟

فالإنسان لا يستدعي في كل يوم الأشياء التي أصبحت جزءًا منه فلا يتذكر لغته كل صباح ولا يستحضر ملامح أمه كل ساعة ولا يجلس ليتأكد من وجود قلبه بين أضلاعه.

بعض الأمور تتجاوز مرحلة التذكر إذ تدخل في نسيج الإنسان نفسه.

ومنذ زمن طويل أشعر أن عاشوراء تنتمي إلى هذه المنطقة.

منطقة لا تشبه الأخبار التي تُحفظ ولا الحوادث التي تُروى ولا الصفحات التي تُطوى بعد قراءتها.

فالذي ينتهي يعطي ما عنده ثم يهدأ.. أما الذي يبقى حيًا فإنه يواصل العطاء.

ولهذا لا يبدو غريبًا أن يقرأ طفل عاشوراء الحسين فيأخذ منها شيئًا.. ثم يقرأها بعد أعوام فيأخذ شيئًا آخر.. ثم تمضي به الحياة فيكتشف أنه ما زال يقف أمام المعنى نفسه لكنه لم يعد الشخص نفسه.

كأن الذي يتغير ليس النص.. ولا الواقعة.. ولا التاريخ.. فالذي يتغير هو مساحة الإنسان نفسه ومع كل اتساع جديد تنكشف له طبقة جديدة من المعنى.

ولهذا لا أرى عاشوراء ذكرى قاومت النسيان فهذا الوصف أصغر منها.

فالنسيان لم يستطع الاقتراب منها أصلًا لأنها لم تبقَ عند حدود الذاكرة فالذاكرة تحفظ أما عاشوراء فقد تجاوزت الحفظ إلى المشاركة في تشكيل الوجدان نفسه.

ولهذا لا يعود الناس إليها طلبًا لمعلومة فالمعلومات تُستوفى أيضًا ولا يعودون إليها بحثًا عن خبر فالأخبار تشيخ وتقدم وربما تنتهي وتموت أما المعاني الكبرى فلها عمر آخر لا يُقاس بالسنوات.

ولهذا تمر القرون وتبقى الأسئلة متدفقة منها كما لو أن الحدث وقع بالأمس.. لا لأن الزمن توقف عندها وإنما لأنها ما زالت تمنح أكثر مما أُخذ منها وما زالت تكشف أكثر مما كُشف عنها.

ولهذا لا تبدو عاشوراء ما بقي من الماضي فهي أقرب ما تكون إلى معنى ما زال الحاضر يكتشفه.