صهيل الفجيعة
انكشفت الغبرة عن وادي الطفوف، وانقشع عجاجُ المعركة الرهيب ليخلف وراءه صمتا موحشا يمزق نياط القلوب. سكنت قعقعة السيوف، وهدأت زئير الرماح بعد أن قمعت بريق الحق، وتركت أجسادا طاهرة ملطخة بدماء الشهادة. في تلك اللحظة النكراء، حيث خيم الوجوم على الكائنات وخرست ألسن البشر أمام عظم الجناية، لم يبق في الميدان صوت يجرؤ على كسر هذا الذهول إلا صهيل جواد الإمام الحسين عليه
.
تأملت ذلك المشهد الملحمي، فرأيتُ جواد الإمام الحسين
ينهض من وسط الشهداء مستبسلا، كأنه القطعة المتبقية من كبرياء الحسين وعزيمته. لم يكن مجرد فرس يُغادر ساحة القتال، بل كان شاهدا يحمل في جسده تفاصيل الفاجعة. لقد وقفت مذهولا وأنا أنظر إليه، والسهام غائرة في صدره ونحره، تنبثق من لحمه كأشواك الغدر التي غرست في قلب النبوة. جراحه تنزف دما قانيا، وجسده الأبيض النقي غدا مطليا بدم صاحبه الذبيح، ليرسم لوحة صارخة للمظلومية.
انطلق الجواد، مستنهضا، يلوح بعرفه في مهب الريح الغابرة، ويرفع قوائمه الأمامية عاليا نحو السماء في حركات ملحمية تعكس ألم الفراق وعمق الفجيعة. رأيته يحث الخطى ويشق الريح نحو المخيم، وسرجه ملويا على جنبه تعبيرا عن غياب فارسه العظيم. كان يصهل صهيلا غريبا، صهيلا لم تسمعه البشرية من قبل، صهيل ممزوج بالمحمحة الحزينة، وكأنه يصرخ في وجه هذا الكون العاتي: «الظَّلِيمَةَ الظَّلِيمَةَ مِنْ أُمَّةٍ قَتَلَتِ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا»، وبينما صمت الجميع خوفا أو ندما، كان هذا الجواد الوفي هو من كسر حصار الصمت، متوجها بصيحته العالية ليعلن للمخيمات، وللتاريخ، وللأجيال القادمة، أن شمس الهدى قد غيبت فوق رمال كربلاء، وأن المأساة قد بدأت لتوها.
ما إن بلغ الجواد المخيم حتى تبدلت السكينة إلى فاجعة. خرجت النساء والأطفال يستقبلونه بقلوب يعتصرها القلق، فإذا به يعود وحيدا، وسرجه خال من صاحبه، وجسده مثخن بالجراح، يقطر دما من كل جانب. عندها لم يعد أحد بحاجة إلى من يخبره بما جرى، فقد تكفل الجواد بنقل الخبر، وكانت الدماء على جسده أبلغ من كل خطاب.
خرجت السيدة زينب
تستقبل الجواد بعين الأخت التي كانت تستشعر المصيبة قبل وقوعها. وقفت أمامه وقد علاه دم الحسين
، ومدت يدها إلى سرجه الخالي، وكأنها تبحث عن أخيها بين ثناياه. في تلك اللحظة انفجر المخيم بالبكاء، وتعالت أصوات النساء، وارتفعت صيحات الأطفال وهم يبحثون عن آبائهم وإخوتهم وأعمامهم الذين لن يعودوا.
وفي داخل إحدى الخيام كان الإمام زين العابدين
يصارع المرض الذي أقعده عن حمل السيف، لكنه لم يقعده عن حمل الرسالة. كان يسمع صهيل الجواد، وصراخ الأطفال، وعويل النساء، فيدرك أن مسؤولية الإمامة قد انتقلت إليه في أصعب لحظات التاريخ. اجتمع عليه ألم فقد أبيه وأهل بيته، ووجع المرض، وثقل الأمانة التي سيحملها مقيدا بالأغلال، ليكون الامتداد الشرعي لنهضة الحسين
.
ولم يمهل جيش عمر بن سعد أهل البيت طويلا، فما إن سقط آخر شهداء الطف حتى اندفعوا نحو المخيمات، يسلبون ما فيها ويحرقون خيامها. ارتفعت ألسنة اللهب في السماء، واشتعلت الخيام التي كانت قبل ساعات مأوى لأطهر أهل الأرض. أخذت النساء يخرجن مذعورات يحملن الأطفال بين أذرعهن، بينما كان الصغار يركضون حفاة فوق الرمال المحرقة، يهربون من النار إلى السيوف، ومن السيوف إلى السياط، ينادون العطش العطش، فلا يجدون إلا القسوة.
وفي قلب تلك الفوضى وقفت السيدة زينب
شامخة كالجبل، تجمع الأطفال المتفرقين، وتحتضن اليتامى، وتبحث عن المرضى، وتحفظ الإمام زين العابدين
، لتمنع انقطاع خط الإمامة. كانت قد فقدت إخوتها وأبناءها وأبناء إخوتها وأصحاب الحسين، ومع ذلك لم تسمح للحزن أن يشل عزيمتها، لأنها كانت تدرك أن الرسالة لم تنته باستشهاد الحسين، وإنما بدأت مرحلة جديدة من الجهاد، جهاد الكلمة والصبر والثبات.
ثم جاءت لحظة السبي، وهي من أشد لحظات التاريخ إيلاما. سيقت بنات الرسالة سبايا، وسلبت أمتعتهم، وسارت القافلة الحزينة بين الرماح، بينما بقيت أجساد الشهداء الطاهرة على رمضاء كربلاء بلا غسل ولا كفن ولا دفن، تعانق السماء بدمائها الزكية. أما الإمام زين العابدين
فقد قيد بالسلاسل وهو عليل، يسير مثقلا بالحمى والقيود، شاهدا على أعظم مأساة عرفها الإسلام.
لقد ظن أعداء الحسين أنهم بقتله قد أطفؤوا نور الرسالة، لكنهم لم يدركوا أن الدم إذا امتزج بالحق لا يموت. انتهت معركة السيوف عند غروب عاشوراء، وبدأت معركة الكلمة والبيان مع السيدة زينب والإمام زين العابدين عليهما السلام. فما عجزت السيوف عن قوله، نطقت به الخطب، وما حاولت الرماح طمسه، حفظه السبي، حتى أصبحت كربلاء مدرسةً خالدة تعلم الأحرار أن الانتصار الحقيقي ليس في البقاء على قيد الحياة، بل في التمسك على المبدأ، فالقابض على دينه كالقابض على الجمر.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الجواد وحده هو الذي نطق، بل أصبح صهيله صوتا خالدا يتردد في ضمير الإنسانية، تردده دموع زينب، وصبر الإمام زين العابدين، وأنين الأطفال، وخطوات السبايا، ليبقى شاهدا على أن الحسين
وإن سقط جسده على تراب كربلاء، فإن رسالته قامت شامخة في وجدان الأحرار، ولن يطويها الزمان، ولن يمحوها ظلم الظالمين.















