العطش
الحصار المائي أحد التكتيكات العسكرية التي استُخدمت في الحروب عبر التاريخ. وكان للعرب في حروبهم أعرافٌ أخلاقية يتجنبون تجاوزها، ومن أشهرها الكف عن القتال في الأشهر الحرم، ومع ذلك قُتل ابنُ بنتِ النبي ﷺ فيها عطشانًا، بعد أن مُنع هو وأصحابه من الماء. أما الحصار المائي، فقد استُخدم في معارك عدة، من بينها معركة صفين ضد جيش الإمام علي
، فلما تمكن من فك الحصار لم يمنع خصومه من الماء، بل أباحه لهم كما أباحه لأصحابه، وتلك من أخلاقيات الحروب الراقية التي قلَّ أن تُرى. وفي معركة كربلاء لم يتجاوز أصحاب الإمام الحسين
اثنين وسبعين رجلًا، في مواجهة جيش بلغ نحو ثلاثين ألفًا ممن باشروا القتال. وكان أربعة آلاف منهم يرابطون على ضفاف نهر الفرات، وقد أُنيطت بهم مهمة واحدة: منع الماء عن الحسين وأصحابه، وعن النساء والأطفال. ثم ماذا؟!
ثم إن المشهور في المصادر أن الماء مُنع عنهم عدة أيام. ومع انقضاء هذه المدة، ونفاد ما كان لديهم من ماء، بلغت آثار العطش غايتها في تلك الصحراء القاحلة تحت حرارة الشمس اللاهبة. والعطش ليس سواءً بين جالسٍ لا يبذل جهدًا، ومقاتلٍ يخوض المعركة منذ الصباح، يحمل السلاح، ويكرّ ويفرّ، ويواجه الموت في كل لحظة؛ لذلك كان عطش الإمام الحسين وأصحابه أشدَّ وأقسى. وقد نقلت الروايات أن شفتي الإمام
يبستا من شدة الظمأ، وأن لسانه أصبح كالخشبة اليابسة، ومع ذلك لم يزده ذلك إلا ثباتًا وصبرًا. ثم ماذا؟!
ثم إن ثِقَل السيف والدرع، والقتال المستمر، مع شدة عطشه، قد أنهك قواه تمامًا، إضافةً إلى استشهاد أصحابه جميعًا واحدًا تلو الآخر، ولا سيما ابنه علي الأكبر، الذي فتّت قلب الحسين
وآلمه أيَّما ألم، ثم استشهاد آخر رجلٍ كان معه، وحاملِ لوائه، أخيه أبي الفضل العباس
. وفي هذه الأثناء، ومع استمرار قتاله جيشًا بأكمله، وحيدًا، ظامئًا، مثكلًا بفقد الأهل والصحب، ضعف عن القتال والوقوف، وقد أحاطوا به من كل الجهات؛ فرقةٌ بالسيوف، وفرقةٌ بالرماح، وفرقةٌ بالسهام، وفرقةٌ بالحجارة، حتى أصابه في تلك الأثناء أبو الحتوف بحجر. ولم يكن حجرًا صغيرًا، بل كانت صخرةً أصابت جبين رجلٍ في نهاية الخمسين من عمره، وقد مضت عليه عشرات الساعات دون ماء، فأظلمت الدنيا في وجهه تمامًا. حتى إذا رفع ثوبه ليمسح الدم، رماه حرملة بن كاهل بسهمٍ مسموم ذي ثلاث شعب، وقع في صدره، فاخترقه وخرج من ظهره، فأسقطه عن جواده على رمضاء كربلاء اللاهبة، في ذروة النهار، والشمس تصهر الحجر. فكيف بجسدٍ أثخنته السهام والرماح وجراحات السيوف؟!
أُغشي عليه، فلما أفاق كان يقول، فيما يُروى، بصوتٍ ضعيف: «وحق جدي، أنا عطشان، لقد تفتت كبدي من الظمأ». ومع ذلك ما سقوه قطرةَ ماءٍ، بل اجتمعوا عليه يضربونه، ويطعنونه، ويركلونه بأحذيةٍ من حديد، حتى ارتقى صدره الشريف الشمر، وصار يطعنه بخنجره، وهو يصرخ من العطش، حتى احتز رأسه، وعلاه فوق الرمح. ولم يكتفوا بكل ذلك، بل جاؤوا بعشر جيادٍ تدوس جسده الطاهر، حتى تكسرت عظامه وتناثرت أحشاؤه على رمضاء كربلاء.
لقد قتلوه وهم يعلمون أنه خامسُ أصحابِ الكساء، وقتلوه وهم يعلمون أنه ابنُ بنتِ المصطفى وريحانتُه، وقتلوه وهم يعلمون أنه سيدُ شبابِ أهلِ الجنة.
أُمررْ على جدثِ الحسينِ
وقل لأعظُمِه الزكيّهْ
يا أعظُماً لا زلتِ من
وَطفاءَ ساكبةٍ رويّهْ
ما لَذَّ عيشٌ بعد رضِّ
كِ بالجياد الأعْوَجِيّهْ
إنا لله وإنا إليه راجعون.
العاشر من محرم الحرام 1448 للهجرة













