حوكمة الشعائر.. نحو ميثاق أخلاقي يحمي الدين من الاستغلال
تتعرض بعض القيم السامية، والعبادات الراقية، والشعائر الملهمة، مع مرور الوقت لسوء التوظيف أو الاستغلال من جهات مختلفة؛ إلا أن غياب الحوكمة في الأداء يجعل الأمور مختلطة بين الحابل والنابل؛ وقد حان الوقت لإطلاق منظومة حوكمة داخل كل مؤسسة تنقح الأوضاع، وتضعها في نصابها، وتمنع استغلال البعض لها.
الحج، والصلاة، والصدقة، والنهي عن السوء، لا يمكن إلغاؤها لأن هناك من شوه صورتها عمدًا أو جهلًا بسبب بعض اللقطات الشاذة والمشوهة لها. فبعض التدافع في الطواف حول بيت الله الحرام وعند الحجر الأسود، أو تصرفات بعض المتحرشين في بعض المساجد، أو المتهكمين على وضعية المصلي أثناء السجود والركوع، أو المستغلين لعواطف الناس بدعوى استلام الصدقات، أو المخادعين لهم تحت ستار التبرع للأيتام، لا يعني أن نلغي الحج، ونغلق المساجد، ونمنع الصدقة.
كما أنه لا يمكن التبرؤ من الدين والتنصل منه لأن هناك أشخاصًا، أو قنوات فضائية، أو صحفيين، أو مغردين، شنعوا على بعض التصرفات المنبوذة والمخالفة لروح الكرامة، الصادرة عن بعض أتباع ذلك الدين.
وعند تصفح بعض مواقع الإنترنت وصفحات تويتر وإنستغرام في مواسم الحج، قد تقع عيناك على بعض الصور والمقاطع التي تؤلم القلب؛ بسبب وجود مقطع يوثق تحرشًا من شذاذ الآفاق، أو جهلًا بأحكام فقهية لدى بعض الرجال والنساء من بعض الجاليات أثناء أداء الفريضة، كارتداء امرأة لباس الإحرام الرجالي، أو استحمام امرأة في نافورة بميدان عام.
إلا أن نية بعض ناشري تلك المقاطع تكون التشنيع أو التهكم أو تحقير المناسبة الدينية، أو تنفير الناس من تلك الفريضة، ليهدموا الدين جزءًا فجزءًا في نفوس الناس. ولا عجب، فهناك أناس نذروا أنفسهم لصد الناس عن دين الله.
وكذلك عند تصفح المنصات الرقمية والقنوات الفضائية في موسم إحياء ذكرى شهادة الإمام الحسين «عاشوراء»، أو إحياء ليالي القدر في دور العبادة، أو إحياء مهرجان احتفالي بشخصية دينية تاريخية مميزة، قد ترى، عرضًا، صورًا ومقاطع فيديو لبعض المعزين أو الحضور تبث، عن قصد وعمد، وفيها من يمارس طقوسا ما أنزل الله بها من سلطان. وهذه المقاطع واللقطات حتمًا تثير النفور والمناكفات، وتولد الاحتقان لدى أتباع المدرسة الفكرية نفسها، فضلًا عن الآخرين، وتؤجج التحريض والتراشق الإعلامي.
وهنا تطرح تساؤلات من قبيل: من المسؤول عن تشويه أداء صلاة العيد في بعض جوامع بعض الأقطار العربية والإسلامية، مثل ما حدث في صلاة العيد الماضية في مصر وإندونيسيا؟
أين مظاهر الصلاة في هذه العبادات المحترمة إذا ضبطت صور لرجل يسجد على مؤخرة امرأة بسبب الازدحام، أو امرأة فاتنة في أبهى ملابس العيد الملتصقة بجسدها، حتى تجسد تضاريسه، وتقف بين الرجال لأداء صلاة العيد؟
وكذلك يمتد السؤال: من المسؤول عن تشويه الشعائر الحسينية في بعض مناطق العالم، ولا سيما في العاصمة البريطانية لندن، وبعض مناطق الهند وباكستان؟
شاهدت عزاءً حسينيًّا هو أقرب إلى رقص فلكلوري صيني، وشاهدت نمطًا من اللطم هو أقرب إلى استعراض مهرجان، وشاهدت مقاطع فيديو ذات طابع تفجعي درامي أقرب إلى أفلام الرعب، من خلال إسالة الدماء بضرب السيوف، والمشي على الجمر… إلى آخره.
أين مظاهر العزاء والعبرة في مثل هذه الأفعال؟
لا نقاش في أن هناك من يتعمد حرف بوصلة الرسائل عن أهدافها في إحياء شعائر الدين. كما أنه يبدو أيضًا أن بعض مراكز الحواضر الرائدة علميًّا وحضاريًّا تخلت عن دورها الريادي والقيادي، أو اضمحل تأثيرها، أو انسحبت بهدوء من المشهد، أو همشت قسرًا، أو أن عددًا غير قليل من الناس خرج عن نطاق الانضباط تحت ستار حب التعبير العاطفي: «لكل أناس فيما يعشقون مذهب».
وعندما أسمع أحدهم، من على منبر، يصرح بأن العمل التفجعي الفلاني، ليس إلا تعبيرًا عن المشاعر، ثم يسترسل بالقول إن التعبير عن المشاعر لا يمكن وضع حدود أو ضوابط له، فإنه لا يضع أطرًا وحدودًا للتعبير عن حزن الإنسان أو فرحه. وهذا أمر جلل، ويفتح الباب على مصراعيه للعبث بالقيم، وعدم الانضباط، سواء للرجل أو المرأة، وهدم الضوابط الأخلاقية.
والواقع أن الدين الإسلامي هو أكثر الأديان السماوية التي وضعت لأتباعها ضوابط في كل شيء، بدءًا من العبادات، مرورًا بالمعاملات، وحتى الآداب العامة، وآداب النظر، والسمع، والكلام، وآداب دخول بيت الخلاء.
والآيات القرآنية كثيرة في هذا الصدد، ونذكر منها على سبيل المثال:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: 131].
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44].
نعلم جميعًا أن البعض في بعض المدارس الفقهية الإسلامية يرون طهارة وجواز شرب بول البعير، أو جواز رضاع المرأة للرجل الكبير… إلخ. وإن أنكر أو أجفل أو امتعض أبناء المدرسة نفسها، عد في نظر بعضهم كافرًا أو فاسقًا لا تقبل شهادته.
ويرى بعض منتسبي مدارس فقهية إسلامية أخرى جواز التطبير والتطيين والتفجع الكبير على مصائب استشهاد آل محمد ﷺ، وإن اعترض أحد على قولهم فقد يفسقونه ويعتزلونه.
ونعلم علم اليقين أن هناك من أبناء تلك المدارس من ينكر ويشجب ويتبرأ من مثل هذه الفتاوى والأعمال، ويمتعض منها، ولكنه يلتزم الصمت خشيةً، أو مداراةً، أو مجاملةً، أو انسحابًا من المشهد.
وكذلك في المدارس الدينية الأخرى، كالمسيحية، هناك من يصلب نفسه وينزف دمه لإظهار مستوى الذوبان في إيمانه بالمسيح، وفي المقابل هناك من يشاركه المعتقد نفسه ويستنكر عليه ذلك.
إذن، هناك مواقف متضاربة داخل المدرسة الفكرية الواحدة، كما هو الحال في معظم الفرق والملل والنحل.
وقد وصلت بعض المناوشات في بعض المدارس الدينية والاجتماعية إلى حد التكفير، أو التفسيق، أو التحريض، أو إسقاط العدالة، أو النبذ.
وعليه، فإن الأهم من الدخول في دهاليز المناوشات هو الحفاظ على قيم الرسالات، ومضمون التعاون والتعاضد، وبسط العدل، ونبذ الظلم، مع عدم منع النقد البناء، وعدم إسقاط حق المدارسة في الموضوعات التي يجري تسويقها على أنها أحاديث نبوية، أو روايات، أو فتاوى، أو شعائر.
أقترح إطلاق ميثاق أخلاقي بين جميع الفرقاء، سواء داخل المدرسة الواحدة متعددة الأطراف، أو بين أتباع المدارس الفكرية المختلفة من أبناء الإسلام، بحيث يتعهد الجميع بعدم إصدار أحكام شمولية، واحترام بعضهم بعضًا، وعدم التكفير أو التحريض أو التفسيق.
وأقترح أن يتضمن الميثاق المفاهيم والممارسات التي أقرها أصحاب كل مدرسة اتفاقًا، بما يوضح أن بعض السلوكيات تمثل أصحابها فقط، ولا تمثل المدرسة بأكملها.
وأنادي بإصدار لائحة لضبط السلوكيات، وتشخيص المرجعية الفكرية والروحية لكل المذاهب، لحوكمة أي عمل ناشز، وجعل الخطابات الحضارية أكثر فاعلية في ضبط إيقاع التفاهم المتبادل بين الناس، والتنصل من كل الأفكار والممارسات والعبادات والأقوال الشاذة، أو المنحرفة، أو المغالية، أو العبثية، أو الدخيلة، أو التي تنشر الكراهية.
كما نطالب العقلاء من أتباع جميع المدارس الفكرية بتجنب الانخراط في الملاسنات وحملات القذف الرقمية والواقعية، لإفشال دعوات أهل التطرف.
بعد أن يستنفد العقلاء والمعتدلون جميع وسائل التوضيح بالمنطق، والشرح، والكتابة، والخطابة، لتجنب البلاء، وتخفيف الاحتقانات، ونبذ التراشقات والخلافات، نجد أن بعض المعاندين والمتطرفين ما زالوا يضرمون نيران الكراهية، ويؤججون للحروب والاصطدامات، والتكفير، والطعن، وقذف الآخرين.
وعليه، نطالب جميع العقلاء والمعتدلين بمواصلة خطابات الاعتدال، ومواجهة لغات التحريض، تصريحًا أو تلميحًا، واتباع توجيهات القرآن الكريم بعد استنفاد جميع وسائل النصح.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 42].
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 41].
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43].














