آخر تحديث: 27 / 6 / 2026م - 8:30 م

فلان… مخّه مجيّم

ياسر بوصالح

كلمة مجيّم في اللهجة الخليجية يتغيّر معناها بحسب السياق، فإذا قلتَ «فلان مخّه مجيّم» فالمعنى أنّ عقله ثقيل وبطيء الاستيعاب أو متبلد، أمّا «الباب مجيّم» فتعني أنه لا ينفتح بسهولة ويقاوم الحركة، والجامع بينهما هو الثقل وصعوبة الانفتاح.

ترى ما أسباب تبلّد المخ و«تجيّمه»؟

هل هي وراثية، أم أننا نحن من نترك عقولنا حتى تفقد مرونتها؟

أميل إلى أنّ المخ يشبه أي عضلة؛ إن لم ندرّبه بالتعلّم والممارسة أصابه الخمول.

وهنا يحسن أن نستحضر الحكمة التي ختم بها الدكتور عبدالجليل الخليفة [1]  إحدى محاضراته:

«طاقاتنا هي نفس طاقاتهم، ووقتنا هو نفس وقتهم، لكن الاهتمامات والإنجازات تختلف. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم. فالإنسان العظيم يبدع دائماً، ولا حدود لطاقاته إذا توفرت الإرادة».

وتتجلّى هذه الحقيقة في قصة صديقه البروفيسور سيد فاروق علي [2]  فقد التقاه الدكتور في مؤتمر بالأرجنتين عام 2007، ليكتشف أنه يتقن ست لغات ويبدأ بتعلّم السابعة وعندما سأله عن سرّ ذلك، قال البروفيسور إن تعلّم اللغات كان «استراحة ذهنية» يلجأ إليها كلما شعر بالتشبع من العمل العلمي، وبعد سنوات، أخبره بأنه أصبح يتقن اثنتي عشرة لغة وبدأ في الثالثة عشرة.

ويؤكّد المعنى نفسه ما نراه حول أهرامات الجيزة؛ حيث يتحدث كثير من الباعة والمرشدين غير الرسميين بعدة لغات، لا من خلال الدراسة الأكاديمية، بل عبر الاحتكاك اليومي بالسياح فهم لا يتقنون اللغات بمعناها الأكاديمي، لكنهم يمتلكون كفاءة عملية مدهشة في التواصل، اكتسبوها من الممارسة المستمرة والانغماس اللغوي.

ومن هنا أصل إلى تجربتي الشخصية:

لكي لا «يجيّم» عقلي، أحرص في أوقات فراغي على تدريب ذهني بطرق أحبّها، ومن أكثر ما يشدّني هو استخراج الخيط الرفيع بين الكلمات المتقاربة في المعنى؛ فالورع — مثلًا — هو ترك الشبهات، بينما التقوى أعمّ وتشمل اجتناب المحرّمات وفعل الطاعات والعلم هو معرفة الحقائق، أما الحكمة فهي حسنُ توظيفها والفقير من لا يجد كفايته، بينما المسكين يجد بعض الكفاية لكنه لا يملك ما يغنيه.

هذه الفروق الدقيقة — رغم صغرها — تفتح للعقل نوافذ واسعة، وتمنحه مرونة تمنع عنه التجمّد.

ختاماً أقول:

كما تحتاج هذه الأبواب المجيّمة إلى رشّة W40 تعيد إليها سلاستها وتطرد عنها صدأ الأيام، كذلك العقول إذا ركدت أصابها ما يصيب الحديد من جمود، ولا دواء لها أبلغ من الحكمة، ولا رياضة أنفع من المعرفة، ولعلّ أصدق ما يُقال في هذا المقام ما رُوي عن أمير المؤمنين «إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة». [3] 

[1]  مهندس وباحث سعودي في مجال هندسة البترول، يُعدّ من الكفاءات الوطنية البارزة في قطاع الطاقة. شغل مناصب قيادية واستشارية في شركات نفطية كبرى، وشارك في مؤتمرات دولية متخصصة في تطوير تقنيات الإنتاج ورفع كفاءة الحقول النفطية

[2]  عالم وباحث متخصص في هندسة البترول، يُعدّ من الأسماء المرموقة في مجال تقنيات الاستخلاص المعزّز للنفط

[3]  نهج البلاغة ج 4 ص 45
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبدالله صالح الخزعل
27 / 6 / 2026م - 1:50 م
الأستاذ العزيز ياسر ..

لقد أبدعت في رسم صورةٍ للعقل حين شبّهته بالباب المجيّم .. يحتاج إلى رشّة معرفة كي يستعيد انسيابه.
مقالك يذكّرنا بأنّ الذهن لا يصدأ إلا إذا أهملناه .. وأنّ الفروق الدقيقة بين الكلمات ليست ترفًا بل رياضة روحية تحفظ للعقل مرونته وتمنحه أفقًا أوسع.
لقد جعلت من الحكمة زيتًا يلين المفاصل الفكرية .. ومن التجربة الشخصية برهانًا حيًّا على أنّ العقل العظيم لا يشيخ ما دام يتغذّى بالمعرفة.
خالص الشكر والتقدير لك على هذا النص المدهش الذي يوقظ العقول ويشحذ الهمم.
2
صالح بن عبدالله السماعيل
[ المبرز - الأحساء ]: 27 / 6 / 2026م - 2:04 م
أحسنتم أستاذنا أبا عمار، لفتة جميلة وعميقة.
وأضيف أن العقل لا “يجيم” فقط بترك التعلّم، بل قد يجيم أيضاً بالانغلاق على نمط واحد من التفكير، حتى لو كان صاحبه كثير القراءة. فتنويع المعارف، والحوار، والسفر، وتأمل التاريخ، وربط الأحداث ببعضها، كلها وسائل تبقي الذهن حيًّا ومتقدًا.

ولعل أجمل ما في طرحكم أنه يحوّل وقت الفراغ من وسيلة لقتل الوقت إلى وسيلة لبناء العقل، فالإنسان إما أن يستثمر عقله أو يتركه يصدأ، والصدأ لا يأتي فجأة، بل يتراكم مع الأيام.
تقبل الله