فلان… مخّه مجيّم
كلمة مجيّم في اللهجة الخليجية يتغيّر معناها بحسب السياق، فإذا قلتَ «فلان مخّه مجيّم» فالمعنى أنّ عقله ثقيل وبطيء الاستيعاب أو متبلد، أمّا «الباب مجيّم» فتعني أنه لا ينفتح بسهولة ويقاوم الحركة، والجامع بينهما هو الثقل وصعوبة الانفتاح.
ترى ما أسباب تبلّد المخ و«تجيّمه»؟
هل هي وراثية، أم أننا نحن من نترك عقولنا حتى تفقد مرونتها؟
أميل إلى أنّ المخ يشبه أي عضلة؛ إن لم ندرّبه بالتعلّم والممارسة أصابه الخمول.
وهنا يحسن أن نستحضر الحكمة التي ختم بها الدكتور عبدالجليل الخليفة [1] إحدى محاضراته:
«طاقاتنا هي نفس طاقاتهم، ووقتنا هو نفس وقتهم، لكن الاهتمامات والإنجازات تختلف. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم. فالإنسان العظيم يبدع دائماً، ولا حدود لطاقاته إذا توفرت الإرادة».
وتتجلّى هذه الحقيقة في قصة صديقه البروفيسور سيد فاروق علي [2] فقد التقاه الدكتور في مؤتمر بالأرجنتين عام 2007، ليكتشف أنه يتقن ست لغات ويبدأ بتعلّم السابعة وعندما سأله عن سرّ ذلك، قال البروفيسور إن تعلّم اللغات كان «استراحة ذهنية» يلجأ إليها كلما شعر بالتشبع من العمل العلمي، وبعد سنوات، أخبره بأنه أصبح يتقن اثنتي عشرة لغة وبدأ في الثالثة عشرة.
ويؤكّد المعنى نفسه ما نراه حول أهرامات الجيزة؛ حيث يتحدث كثير من الباعة والمرشدين غير الرسميين بعدة لغات، لا من خلال الدراسة الأكاديمية، بل عبر الاحتكاك اليومي بالسياح فهم لا يتقنون اللغات بمعناها الأكاديمي، لكنهم يمتلكون كفاءة عملية مدهشة في التواصل، اكتسبوها من الممارسة المستمرة والانغماس اللغوي.
ومن هنا أصل إلى تجربتي الشخصية:
لكي لا «يجيّم» عقلي، أحرص في أوقات فراغي على تدريب ذهني بطرق أحبّها، ومن أكثر ما يشدّني هو استخراج الخيط الرفيع بين الكلمات المتقاربة في المعنى؛ فالورع — مثلًا — هو ترك الشبهات، بينما التقوى أعمّ وتشمل اجتناب المحرّمات وفعل الطاعات والعلم هو معرفة الحقائق، أما الحكمة فهي حسنُ توظيفها والفقير من لا يجد كفايته، بينما المسكين يجد بعض الكفاية لكنه لا يملك ما يغنيه.
هذه الفروق الدقيقة — رغم صغرها — تفتح للعقل نوافذ واسعة، وتمنحه مرونة تمنع عنه التجمّد.
ختاماً أقول:
كما تحتاج هذه الأبواب المجيّمة إلى رشّة W40 تعيد إليها سلاستها وتطرد عنها صدأ الأيام، كذلك العقول إذا ركدت أصابها ما يصيب الحديد من جمود، ولا دواء لها أبلغ من الحكمة، ولا رياضة أنفع من المعرفة، ولعلّ أصدق ما يُقال في هذا المقام ما رُوي عن أمير المؤمنين
«إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة». [3]













