هل كان جيش عمر بن سعد ثلاثين ألفًا؟
قراءة تاريخية في أحد أبرز إشكالات كربلاء
في خضم أحداث عاشوراء، تبقى الأرقام من أكثر القضايا التي تثير الجدل بين الباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي. فحين تُذكر واقعة كربلاء، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا: هل يعقل أن تحشد الدولة الأموية جيشًا قوامه ثلاثون ألف مقاتل لمواجهة نحو مئة من أصحاب الإمام الحسين
؟ وهل تعكس الأرقام التي حفظتها المصادر التاريخية حقيقة ما جرى، أم أنها تحتاج إلى قراءة مختلفة في ضوء الظروف السياسية والعسكرية لذلك العصر؟
تولدت هذه الأسئلة في ذهني بعدما استمعت ليلة العاشر من محرم بمجلس المقابي إلى محاضرة للشيخ محمد أبو زيد، تناول فيها جانبًا الشبهات التي يثيرها بعض المشككين حول أحداث كربلاء وممارسات عاشوراء. وقد طرأ على انتباهي على وجه الخصوص الإشكال المتعلق بعدد جيش عمر بن سعد، وما يترتب عليه من التشكيك في الرواية التاريخية وحقيقة لم يتطرق له الخطيب.
وبعد انتهاء المحاضرة، قضيت أكثر من ثلاث ساعات في مراجعة المصادر التاريخية، ومقارنة الروايات، وتتبع السياق العسكري والسياسي للواقعة، في محاولة للوصول إلى قراءة تستند إلى منطق التاريخ، لا إلى مجرد الانطباعات أو الأرقام المجردة.
يرى بعض المشككين أن الرواية المشهورة التي تذكر أن جيش عمر بن سعد بلغ نحو ثلاثين ألف مقاتل لا تنسجم مع المنطق العسكري، ويستدلون بأن الدولة لا يمكن أن تحشد هذا العدد الضخم لمواجهة نحو مئة رجل فقط. ومن هنا يخلصون إلى أحد احتمالين: إما أن عدد جيش عمر بن سعد قد تعرض للمبالغة، أو أن عدد أصحاب الإمام الحسين كان أكبر بكثير مما نقلته المصادر.
غير أن هذا الاستنتاج يقوم على تصور غير دقيق لطبيعة المهمة التي أوكلت إلى الجيش، وكأن جميع أفراده كانوا مصطفين للقتال المباشر مع أصحاب الإمام الحسين، بينما تشير الوقائع التاريخية إلى أن الجيش كان يؤدي مهامًا متعددة تتجاوز ساحة المعركة نفسها.
كانت القيادة في الكوفة تدرك أن الخطر لا يقتصر على المجموعة الموجودة مع الإمام الحسين، بل يمتد إلى احتمال التحاق أنصار به من داخل الكوفة أو من خارجها، لذلك لم يكن الهدف من حشد القوات هو الاشتباك العسكري وحده.
فقد كان قسم من القوات مكلفًا بفرض حصار على الكوفة ومنع خروج من يرغب في الالتحاق بالإمام الحسين، فيما انتشرت قوات أخرى حول كربلاء لإحكام الطوق على المنطقة ومنع وصول أي تعزيزات من الحجاز أو من القبائل المجاورة. كما خصصت قوة كبيرة لحراسة نهر الفرات ومنع وصول الماء إلى معسكر الإمام، وهي المهمة التي تذكر المصادر أنها كانت بقيادة عمرو بن الحجاج.
إلى جانب ذلك، كان من الطبيعي أن تحتفظ القيادة بقوات احتياطية تحسبًا لأي تطور مفاجئ، سواء تمثل في انشقاق بعض أفراد الجيش، أو اتساع رقعة المواجهة، أو حدوث تحرك عسكري غير متوقع.
وعليه، فإن الحديث عن ثلاثين ألف مقاتل لا يعني أنهم كانوا جميعًا يخوضون القتال في وقت واحد، بل كانوا موزعين على مهام أمنية وعسكرية متعددة.
ومن النقاط التي كثيرًا ما تُغفل في هذا النقاش أن الجيش الذي قاده عمر بن سعد لم يُنشأ ابتداءً من أجل قتال الإمام الحسين، وإنما كان قد جُهز أصلًا للتوجه إلى الري، بعدما وعد عمر بن سعد بإمارتها.
لكن عبيد الله بن زياد غيّر وجهة الحملة، وأمر قائدها بأن يتجه أولًا إلى كربلاء قبل تنفيذ المهمة الأصلية. ولذلك وجد عمر بن سعد نفسه أمام مفاضلة صعبة بين الاحتفاظ بوعد الإمارة أو الامتناع عن قتال الإمام الحسين، وهي الحيرة التي عكستها الروايات التاريخية.
ومن هنا فإن وجود قوة كبيرة لا يعني أنها جُمعت خصيصًا لكربلاء، بل إن جزءًا منها كان قد أُعد مسبقًا لمهمة عسكرية مختلفة.
كما ينبغي النظر إلى شخصية الإمام الحسين في ميزان السلطة الأموية. فعبيد الله بن زياد لم يكن يرى أمامه مجموعة قليلة العدد فحسب، بل كان يواجه سبط رسول الله ﷺ، ومعه رجال من بني هاشم ونخبة من فرسان العرب الذين عُرفوا بالشجاعة والإقدام.
وفوق ذلك، كانت تجربة مسلم بن عقيل في الكوفة ماثلة أمام السلطة، بعدما تمكن من إرباك الوضع الأمني وأجبرها على استنفار قوات كبيرة لاستعادة السيطرة.
ولذلك كان من الطبيعي أن تميل القيادة إلى استخدام قوة تفوق الحاجة الظاهرة، لأن أي هزيمة أو اختراق كان سيهدد مستقبلها السياسي في العراق.
ومن الأخطاء الشائعة أن تُقرأ معركة كربلاء بعقلية الحروب الحديثة، حيث يبدأ الهجوم الجماعي فورًا وتنتهي المعركة خلال وقت قصير.
أما في القرن الأول الهجري، فقد كانت للمعارك تقاليدها العسكرية؛ إذ تبدأ غالبًا بالخطب وإقامة الحجة، ثم المبارزات الفردية، وبعدها تبدأ الحملات العسكرية المتعاقبة.
وهذا ما تكشفه روايات يوم عاشوراء؛ فقد سبق القتال حوار وخطب، ثم وقعت مبارزات استغرقت وقتًا، قبل أن تبدأ المواجهات العامة.
كما أن المبارزة لم تكن تنتهي بالضرورة عند سقوط أحد المقاتلين، بل كان يخرج بعده آخر، ثم ثالث، فتتكرر المبارزات وتطول، وهو ما يجعل وقوع قتلى في صفوف جيش عمر بن سعد أمرًا مفهومًا، رغم الفارق الكبير في العدد.
عند قراءة واقعة كربلاء في إطارها التاريخي والعسكري، يتبين أن الاستدلال بالفارق العددي وحده لا يكفي للطعن في الروايات التاريخية.
فالجيش الذي جمعه عبيد الله بن زياد لم يكن مخصصًا كله للمواجهة المباشرة، بل كان يقوم بمهام الحصار والتأمين والسيطرة والاحتياط، كما أن جزءًا منه كان قد جُهز أصلًا لمهمة أخرى قبل تحويل مساره إلى كربلاء. وإلى جانب ذلك، كانت السلطة تنظر إلى الإمام الحسين
بوصفه قائدًا دينيًا وسياسيًا يمثل تهديدًا وجوديًا لها، الأمر الذي يفسر لجوءها إلى حشد قوة كبيرة.
وبذلك، فإن فهم الأرقام لا يكون بعزلها عن سياقها التاريخي، وإنما بقراءتها ضمن الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بواقعة كربلاء، وهي قراءة تمنح الروايات قدرًا أكبر من الاتساق والمنطق.













