آخر تحديث: 27 / 6 / 2026م - 8:30 م

ماذا بعد عاشوراء وواقعة الطف؟

عبد الله حسين اليوسف

يُقال إن مؤرخًا من علماء الآثار، ومن محبي التنقيب عن الأحداث والنفائس القديمة ذات القيمة المعنوية والمادية، قصد طريق الحرير الذي يربط الشرق بالغرب، فمرَّ بجانب كربلاء. وهناك سمع صوتًا من بعيد، وأحسَّ بحركة غير طبيعية؛ فالطيور والحيوانات كانت تدور في المكان ولا تهتدي إلى طريقها، بسبب حرارة الأرض الشديدة، ولأن ماء النهر قد تغيَّر لونه، فأصبح كأنه ممتلئ بالدم، ويصعب الشرب منه بسبب عكارته الواضحة.

فقال في نفسه: لا بد من التوقف هنا والتعرُّف إلى هذا المكان. فنصب خيمته، وأخذ يتفحص المنطقة طولًا وعرضًا، مستخدمًا مجساته، وآلات التصوير، وآلات الحفر لاكتشاف أعماق الأرض، وأجهزة قياس الحرارة والبرودة، وآلة لحساب الزمن، فساعدته هذه الأدوات على استكشاف الأحداث من خلال الحركة واللون والحرارة ودرجة الصوت.

اتجه إلى نهر الفرات، فإذا به يرى جسد فارس قوي، لكنه مقطوع اليدين. وتراءت له دلائل حركته مجسدة على الصخور. ثم ابتعد عن موقع الجسد، فشاهد ماءً مسكوبًا تفوح منه رائحة ذلك الجسد، وتبيَّن أن فيه قطعة صغيرة من سهم، وبقايا من قربة ماء، وكأنها تُركت علامةً ودليلًا على سقوط فارس عُرف بالشجاعة والبأس.

ترك الموقع، واتجه إلى مكان آخر، إذ أيقن أن وراء هذا الفارس أحداثًا جسامًا. وهناك سمع أصواتًا، وصهيلًا للخيل، ووقع السيوف والرماح. ووجد بقايا أجساد لشباب وأطفال وشيوخ، وعبيد ومماليك، سقطوا هنا وهناك، ويتضح من هيئاتهم أنهم كانوا ذوي خبرة في القتال، لأن اتجاه المواجهة كان واحدًا. كما أن آثار شعورهم وملابسهم كانت قد عطَّرت الأرض.

ثم وجد بقايا، ملابس فاخرة، وحذاء، وأوراق شجر، مما أوحى له بوجود عريس. ورأى آثار أقدام تسير وكأنها اعتادت القيود، مما يدل على أن صاحبها كان عبدًا. كما شاهد أثر خلخال لطفل رضيع.

لقد كانت معركةً عنيفة، يتضح ذلك من آثار حركة الخيول، وبقايا الدماء المتناثرة في كل مكان، وبعضها منقوش على الصخور.

واصل تجوله في المنطقة متسائلًا: أين كان مقر السكن أو المخيمات؟ فأخذ يبحث، وإذا به يرى أرضًا يغطيها السواد. وعندما دقق النظر، وجد بقايا احتراق أقمشة وصوف، وبعض بقايا ألعاب أطفال خشبية صغيرة، وآثار عباءات نسائية، فتبيَّن له أن الخيام قد أُحرقت بعد انتهاء المعركة.

قرر أن يدوِّن ملاحظاته، ويجمع ما استطاع من التصورات والآثار والمقتنيات الموجودة في المنطقة، ويسجل جميع البيانات، وينتظر الأعراب الذين يمرون من هناك. فأقام في المكان عدة أيام، يصور ويجمع الأدلة.

وذات يوم، رأى فارسًا من بعيد يتجه نحوه. فلما وصل إليه، خاطبه قائلًا:

- أيها الغريب، لماذا أنت هنا؟

فأجابه:

- إني رحالة.

فسأله الفارس:

- وكيف وجدت هذا المكان؟

قال الرحالة:

- وجدت أحداثًا عظيمة، وآثار قبور بلا علامات، وكأنها أُخفيت عمدًا حتى لا يعرفها أحد. لكنني شعرت بحرارة أجسادها، وكأنها لم تمت.

عندها جلس الفارس الملثم، وقال له:

- سوف أخبرك بما جرى على سبط الرسول الأعظم ﷺ، وعلى أصحابه وأهل بيته.

وأخذ يقرأ عليه المقتل كاملًا، فإذا بالرحالة يبكي، ويقول:

- ماذا أكتب عن هذه الأرض؟ وماذا أنقل؟

قال له الفارس:

- ابتعد عن هذا المكان، وإلا قُتلت إن رويت هذه الأحداث لأحد.

فأجابه الرحالة:

- سأرجع إلى بلدي، وأدوِّن ما حدث؛ كيف قتلت أمةٌ مسلمة ابن بنت نبيها. وكلما اقتربت من هذه الأرض سأشعر بالحزن، والبكاء، والخشوع، والانجذاب إليها، وسأزورها بين الحين والآخر لأتزود منها بالمعاني الروحية والقيم السامية.

ثم افترق الفارس والرحالة، وبقيت أرض كربلاء مشعلًا للنور والهداية، تسجل بصماتها في صفحات التاريخ. وكلما أقبل شهر محرم الحرام، تحركت البوصلة نحو هذه الأرض، لتروي لنا شيئًا مما جرى فيها، وليأخذ منها أطفالنا وشبابنا ونساؤنا وشيوخنا الموعظة والعبرة، كلٌّ بحسب فهمه واستيعابه لتلك الأحداث.

قصة خيالية مستوحاة من أجواء أحداث واقعة الطف.