آخر تحديث: 27 / 6 / 2026م - 8:30 م

عاشوراء… من الاستماع إلى الامتثال

محمد يوسف آل مال الله *

مع انقضاء أيام عاشوراء، يكون الخطباء والعلماء قد بذلوا جهودًا كبيرة في تقديم المحاضرات والدروس والتوجيهات التي تناولت مختلف جوانب الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية. وقد استمع الآلاف إلى هذه المجالس وتأثروا بمضامينها.

لكنّ السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد انتهاء الموسم: ماذا بعد الاستماع؟ وهل يكفي أن نُعجب بالكلمة ونبكي عند الموعظة، أم أنّ المطلوب هو تحويل ما سمعناه إلى سلوك عملي ينعكس على حياتنا؟

إنّ الوعي الحقيقي لا يقف عند حدود التلقّي، بل يتجاوز ذلك إلى مرحلة الامتثال والتطبيق. فالقرآن الكريم لم يمدح الذين يسمعون الحق فحسب، وإنّما مدح الذين يستجيبون له، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 18]. فالاستماع في المنظور القرآني ليس غاية، وإنّما مقدمة للعمل.

كما يلفت القرآن الكريم النظر إلى خطورة الفجوة بين العلم والعمل بقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 3]. وهذه الآية لا تخص الخطباء والدعاة وحدهم، بل تشمل كل من عرف الحق ولم يسعَ إلى تطبيقه.

وفي تراث أهل البيت نجد تأكيدًا واضحًا على هذا المعنى. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق قوله: ”كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم“، أي أنّ السلوك العملي أبلغ من آلاف الكلمات. كما روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب قوله: ”العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلّا ارتحل“، في إشارة إلى أنّ المعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة قد تفقد أثرها مع مرور الزمن.

وعندما ننتقل إلى واقعة الطف نجد أنّ أصحاب الإمام الحسين لم يكونوا مجرد مستمعين لتوجيهات إمامهم، بل كانوا نموذجًا عمليًا للاستجابة الواعية. فقد سمعوا الحق وعرفوا الطريق ثم ترجموا ذلك إلى مواقف وتضحيات.

لم يكتفِ حبيب بن مظاهر بمحبة الإمام ، بل جسّد هذه المحبة موقفًا وثباتًا. ولم يكتفِ مسلم بن عوسجة بمعرفة الحق، بل بذل حياته دفاعًا عنه. لقد تحوّلت القناعة لديهم إلى سلوك، والمعرفة إلى تضحية، والولاء إلى عمل.

ومن هنا فإنّ الوعي بعد عاشوراء ينبغي أن يسأل نفسه عدة أسئلة عملية:

• ما الفكرة التي تعلّمتها وسأطبقها؟
• ما السلوك الخاطئ الذي سأتركه؟
• ما العلاقة الأسرية التي سأصلحها؟
• ما العبادة التي سأحافظ عليها؟
• وما القيمة الحسينية التي سأجسدها في واقعي؟

إنّ نجاح المجلس الحسيني لا يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بمقدار التحوّل الذي يحدثه في النفوس. فالمجلس الذي يدفع الإنسان إلى برّ والديه، أو إصلاح ذات البين، أو حفظ لسانه، أو أداء أمانته، أو خدمة مجتمعه، هو مجلس حقق أهدافه التربوية.

لقد أراد الإمام الحسين أن يصنع أمّة واعية لا جمهورًا متأثرًا لساعات معدودة. ولذلك فإنّ أفضل وفاء لدماء كربلاء ليس أن تنتهي الدروس بانتهاء الموسم، بل أن تبدأ رحلة التطبيق بعده.

حين تتحول الموعظة إلى سلوك، والمعرفة إلى عمل، يصبح كل يوم من أيام الإنسان امتدادًا حقيقيًا لرسالة عاشوراء، ويصبح الوعي جسرًا يصل بين حرارة العاطفة وبركة التغيير والإصلاح.