آخر تحديث: 27 / 6 / 2026م - 8:30 م

ياليتنا كنا معكم… امتحان المجتمع لا هتاف المأتم

الدكتور ماهر آل سيف *

نردّد في كل مأتم، ونسمع عند كل منبر: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا. ولكن هذه الكلمة ليست زينة صوت، ولا عادة نعي، ولا دمعة تمضي مع آخر المجلس؛ إنّها سؤالٌ موجع، وميزانٌ مفزع: لو عشتَ زمن الحسين ، أكنتَ من أنصاره حقًّا، أم من الواقفين على الرصيف، يكثرون التحليل، ويقلّ عندهم الدليل، ويطول عندهم العذر، ويقصر عندهم النصر؟

كربلاء لم تكن امتحان سيف فقط، بل امتحان نفس وموقف وصدق. فكم إنسان يحب الحسين في العاطفة، فإذا جاءه معنى الحسين في الواقع خاف وتراجع. يحب الإصلاح ما دام قصيدة، ويخافه إذا صار مبادرة. يعشق العدالة ما دامت خطبة، ويهرب منها إذا مست مصلحته أو شلّته أو مجلسه أو عادته.

اسأل نفسك: هل كنتَ ستترك راحتك ووجاهتك وبعض مصالحك لنصرة الحق؟ أم كنتَ ستقول: عندي عائلة، وعندي تجارة، وعندي وظيفة، وعندي مجلس لا أريد أن أخسره، وعلاقات لا أريد أن تهتز، وناس لا أريد أن تغضب؟ وهل كنتَ ستقف مع الحسين، أم كنتَ ستبحث عن مبرّرٍ ناعم، واعتذارٍ بارد، وفقهٍ مبتور، وعقلٍ مأجور، لتقول: السلامة أولى، والسكوت أحكم، والانسحاب أسلم؟

واليوم، أين كربلاء في حياتنا؟ كربلاء ليست في التاريخ وحده، بل في كل مجتمع يحتاج إلى إصلاح، وفي كل مجلس يأكله الغيبة، وفي كل ديوانية ترفع النميمة، وفي كل شللية تُسقط الصالحين، وفي كل حزبية اجتماعية تقدّم القريب على الكفء، وتؤخر الأمين لأنه ليس من الجماعة، ولا من الواجهة، ولا من أصحاب الصوت العالي.

أليست محاربة التبذير إصلاحًا؟ أليس ضبط المال العام والخاص أمانة؟ أليس دعم العمل التطوعي وفتح الباب للمبادرات الصادقة نصرةً للمجتمع؟ أليس قبول التغيير للأفضل شجاعة؟ أليس ترك الغيبة والنميمة والإسقاط عبادة؟ أليس الوقوف مع المصلح، ولو كان غريبًا عن عائلتك أو مجلسك أو شلّتك، علامة صدق لا علامة مجاملة؟

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ، فكيف نبخس المصلح جهده، ونكسر همّته، ونشوه قصده؟ وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، فهل من البر أن نخذل مبادرة نافعة لأنها ليست من جماعتنا؟ وهل من التقوى أن نحارب مشروعًا خيريًا لأن صاحبه لا يجلس في مجلسنا؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، والفساد ليس سرقة مال فقط؛ بل فساد لسان، وفساد ميزان، وفساد ذوق، وفساد قرار، وفساد مجتمع حين يصبح الإصلاح غريبًا، والمصلح مريبًا، والمبذر كريمًا، والنمام ظريفًا.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ . فكيف نرفع راية الحسين، ثم نفاخر بالإسراف؟ وكيف نبكي على عطش الطف، ثم نهدر النعم في الولائم والمظاهر والمجاملات؟ وكيف نقول: يا ليتنا كنا معكم، ونحن لا نملك شجاعة أن نقول في مجلسنا: كفى غيبة، كفى تبذيرًا، كفى إسقاطًا، كفى محاربةً لكل فكرة جميلة لأنها جاءت من غيرنا؟

وقد قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فأين الإيمان ممن يفرح بسقوط مبادرة؟ وأين المحبة ممن يكره نجاح غيره؟ وأين الحسين في قلب من يصفق للمصلح إذا كان صديقه، ويحاربه إذا كان غريبًا يحمل الفكرة نفسها، والهدف نفسه، والخير نفسه؟

إنّ المصلح في المجتمع ليس عدوًا للناس، بل مرآةٌ لهم؛ يذكّرهم إذا غفلوا، وينصحهم إذا انحرفوا، ويدعوهم إذا تفرقوا. ومن يحارب الإصلاح لا يؤخر شخصًا واحدًا، بل يؤخر مجتمعًا كاملًا؛ يجعل القرية أضيق، والمجلس أقسى، والعلاقات أضعف، والمال أضيع، والطاقات أدفن، والمستقبل أبعد.

فلا تقل: يا ليتني كنت مع الحسين، ثم كن ضد كل حسينيّ المعنى في واقعك؛ ضد الصدق إذا أزعجك، وضد النظام إذا قيّدك، وضد الترشيد إذا خفّف مظاهرك، وضد التطوع إذا لم تكن أنت عنوانه، وضد المبادرة إذا لم تخرج من دائرتك.

الحسين مدرسة إصلاح، لا ذكرى بكاء فقط. ومن أراد أن يكون معه فليبدأ من نفسه: يهذب لسانه، ويطهر مجلسه، وينصف مخالفيه، ويقبل التغيير، ويدعم المبادرة، ويحارب الشللية، ويطفئ نار النميمة، ويمنع إسقاط الناس، ويجعل ولاءه للحق لا للهوى، وللمجتمع لا للمجاملة، وللإصلاح لا للراحة.

اللهم لا تجعل قولنا يا ليتنا كنا معكم صوتًا بلا صدق، ودمعًا بلا عمل، وحبًا بلا أثر. واجعلنا ممن ينصرون الحق في بيوتهم ومجالسهم ومجتمعهم، فيحاربون الغيبة بالإعراض، والنميمة بالإصلاح، والتبذير بالترشيد، والشللية بالإنصاف، ومحاربة المصلحين بالنصرة والتأييد. فمن لم ينصر الإصلاح الصغير في مجتمعه، فكيف يزعم أنه كان سينصر الإصلاح العظيم في كربلاء؟