كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي «6»؟
ورد عن الحسين
: «إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيال» [جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص 427].
الاضطراب النفسي بسبب المرور بمشكلة أو محنة له تأثيراته السلبية المدمرة، وأهمها غياب التركيز الذهني والنظر بحكمة وتأنٍّ للأمور وقصر النظر في كيفية المعالجة والحل، وبدلًا عن ذلك تأخذه مشاعره المستفزة وحالته الانفعالية الشديدة نحو تفكير خاطئ، فالعقل يشبه في عمله المصباح الذي يضيء العتمة ويكشف مكان كل شيء من حوله لئلا يتيه أو يعثر، ولكن شدة الانفعال قد تجعل دخان المشاعر يحجب نوره وبصيرته ويشتت ذهنه عن التفكير بطريقة عقلانية بعيدًا عن التهور أو شلل الإرادة، لذلك فإن أول خطوة في التفكير السليم هي تهدئة الاضطراب النفسي حتى يستعيد العقل قدرته على الرؤية الواضحة ويبدأ في دراسة الوضع والعوامل المؤثرة والحلول المتاحة والممكنة وكيفية تنفيذها.
ومن الدلالات التربوية العميقة لهذه التحفة السنية هي بيان أركان إدارة الأزمات والمحن، فالركن الأول ضبط الانفعال وتهدئة النفس من آثار الألم والاستفزاز، والركن الآخر هو تفعيل التفكير الهادئ والمتزن بعيدًا عن الانزلاق في الانفعالات الشديدة، فإذا فقد الإنسان أحد هذين الركنين اختل توازنه وضاع بين مجاهيل الأمور واستنزاف الطاقات والأوقات دون جدوى، فالحزن بلا حزم يقود إلى الانهيار والسقوط وحلول الخسائر الفادحة؛ لأن المشاعر حين تنفلت من الضوابط تتحول إلى قوة تستنزف النفس وتطفئ روح المبادرة والأمل بانفراج الأمور وحلحلتها، وفي المقابل فإن التفكير بلا هدوء نفسي يفقد قدرته على الإبداع واتخاذ القرار السليم ومواجهة الأمور بالقرارات المناسبة والحازمة؛ لأن العقل المضطرب لا يرى الوقائع كما هي بل يراها من خلال عدسة الخوف والانفعال النفسي وتشوّش الذهن والقلق من المستقبل، فالحزن ليس عيبًا وإنما العيب أن نسمح له بأن يطفئ نور العقل والحراك المتزن، كما تعلمنا أن التفكير لا يثمر إلا إذا سبقته حالة من السكينة وضبط النفس.
وإذا ما نظرنا إلى حياتنا المعاصرة فسنجد الكثير من المشاكل والأزمات الأسرية والدراسية والمهنية والاجتماعية والاقتصادية يعود السبب في تفاقمها وتضخمها، هو اتخاذ قرار المواجهة والحد من الخسائر ومحاولة تغيير دفة واتجاه الأمور نحو الأسوأ في لحظات انفعال شديد، أو الوقوع تحت وطأة الألم والصدمة والرغبة في التخلص من تلك الآثار السيئة بأسرع ما يمكن، والحلول والقرارات لا يمكن اتخاذها للمعالجة الحقيقية في ذروة الانفعال، بل تحتاج إلى ضبط الانفعال والتفكير بهدوء بعيدًا عن ضغوط الآلام المصاحبة للأزمة، وتهدئة المشاعر ثم إفساح المجال للعقل كي يعمل ويعالج، فالإنسان الواعي لا يسمح لمشاعره أن تقوده بعيدا عن الحكمة والاتزان.
وهكذا تضعنا حكمة الإمام الحسين
أمام قاعدة تربوية خالدة تُكتب بماء الذهب، فإذا هاجت الأحزان فليتقدم الحزم، وإذا هدأت النفس فليتكلّم العقل، فبهذين الركنين يستطيع الإنسان أن يحول الأزمات من أسباب للانهيار إلى فرص للنضج والرقي وصناعة الشخصية الواعية.













