حُط راسك بخيشة... وذبّه بالبحر
قبل يوم أو يومين أو ثلاثة، ما أدري كم بالضبط، كنت طالعًا من المكتب في نهاية الدوام، أمشي مع زميلي محمد العبدالله، وأنا أتقلب في كلامي معه عن آراء العلماء الأجلاء وغير الأجلاء، الصالح منهم والطالح، أشرّق وأغرّب، وأروح جنوبًا وشمالًا، ما أدري هل ضغط العمل مؤثر علي، أو إني أتبع كل صادحٍ وناعق، جميع الآراء اتبناها. فأنشأ زميلي عليّ، وبعد طول تمعن في وجهي، قائلًا: «لا، صار راسك ينطرب مع أي موّال، حط راسك بخيشة وبالبحر ذبه» بدأت أضحك هستيريًا، وتخيلت المشهد فعليًا: أنا، وخيشة، وبحر، وخفر السواحل يسحبني بصعوبة وهو يسأل زميلي: «إنت اللي قلت له يسوي كذا؟»، ومحمد يرد بثقة: «أنا قلت له مجازيًا!»، وربما يخرج لي بعدها عقد إعلاني مع شركة تأمين تحت شعار «احذر، صداقات حادة الزوايا».
لكن بين الضحكة والضحكة، وقفت عند الفكرة نفسها: لماذا رأسي يتذبذب هكذا مع كل صوت يتحدث باسم الدين؟ ولماذا أنا، وكثير من جيلي، والي أصغر شويات، نتقلب بين الآراء كأننا نبحث عن محطة راديو واضحة في منطقة ضعيفة التغطية؟
ثم أدركت أن المشكلة ليست في رأسي وحده، بل في الإسطوانة نفسها، تلك التي اشتريناها يوم كان عندنا مسجل كاسيت في السيارة، ولم يخطر لأحد أنها قد تحتاج صيانة بعد كل هذي السنين. كثير من الخطاب الديني الذي يصلنا اليوم لا يزال يُشغَّل من نفس الكاسيت، بنفس النبرة، وكأن الزمن توقف عند آخر تسجيل، بينما العالم في الخارج يتحدث بسرعة الجيل الخامس، ونحن نحاول إصلاح الراوتر بإيقافه وتشغيله من جديد، ظنًا أن المشكلة في الكهرباء لا في الجهاز نفسه. يقدّم لنا بعض الخطباء القضايا الكبرى بثقة من يحمل الإجابة النهائية في جيبه، وبجملة واحدة تصلح غلافًا لمنشور توعوي، لكنها لا تصلح جوابًا لسؤال حقيقي. وفي هذا المناخ، لا يُعامَل الشك كمحطة طبيعية في رحلة أي إنسان، بل كفيروس يحتاج كمامة وحجرًا منزليًا أسبوعين كاملين قبل أن يُسمح له بدخول المجلس.
والمفارقة أن الجيل الجديد، الذي قد يُلام على «تذبذبه»، يعيش في عالم مفتوح بالكامل، يقارن ويحلل ويتحقق بضغطة زر، يصل إلى عشرات القراءات الدينية والفلسفية، وإلى نقد تاريخي، وأسئلة وجودية، وإجابات من الذكاء الاصطناعي تصله أسرع وأكثر صبرًا من أي مجلس، ولا تتأخر عليه ولا تخبره أن سؤاله «غير مناسب للوقت الحالي». هذا الجيل لا تنقصه المعلومة، بل ينقصه من يخاطب عقله بدل أن يستعرض عليه. فبينما يحدّث تطبيق الذكاء الاصطناعي إصداره كل أسبوعين، يبدو بعض خطابنا الديني وكأنه ما زال يرفض حتى فكرة وجود زر «تحديث»، ويتعامل مع كل اقتراح للتجديد كأنه فيروس آخر يحتاج العزل نفسه.
والظاهرة الأطرف أن هذا الخطاب، حين يحب أن يلخص كل قضية معقدة في جملة واحدة جاهزة للنشر، تصلح تصميمًا جذابًا، لكنها لا تصلح إجابة لمن يسأل بصدق، فإن النتيجة غالبًا ليست الالتزام، بل الرفض الهادئ المؤجل، الذي لا يُعلن عنه أحد، بل يحدث في صمت بين شاشة وشاشة. وهنا لا تكون المشكلة في «جرأة الجيل» ولا في «فساد الأسئلة»، كما يحب البعض أن يصفها، بل في خطاب يحتاج أن يستوعب هذه الأسئلة، فلا يترك أصحابها فريسة سهلة لفراغ بلا إجابات، أو لخطابات إلحادية وفلسفية أكثر تنظيمًا وهدوءًا، وكأننا نطرد الزبون من محلنا بحجة أن سؤاله غريب، ثم نطلق حملة تحذير من المحل المقابل، بينما زبوننا يقف هناك بعربة تسوق كاملة وهو يقرأ تحذيرنا بابتسامة.
ولا أظن أن الذكاء الاصطناعي يصنع الشك أو الإلحاد من العدم، لكنه بالتأكيد يكشف أن بعض خطابنا يحتاج مجاراة لعصرنا هذا. بينما يتعامل بعض من يتصدر للحديث مع هذه الأدوات كما يتعامل عمي مع زر «تجاهل» في فيسبوك: يضغطه ويشعر بالراحة، رغم أن الإشعار نفسه يرجع له بعد خمس دقائق وكأن شيئًا لم يكن.
تذكرت هنا «القمقم» الذي يحب الخطباء أحيانًا الإشارة إليه وهم يتحدثون عن «الانفتاح المنفلت»، وضحكت من المفارقة: الخطاب نفسه يشبه جنيًا قديمًا قرر أن يبقى في قمقمه، حتى بعد أن انكسر القمقم وصار العالم كله خارجه، يرفض الخروج حتى يقرأ تقييمات الخارج بالنجوم أولًا، وكأنه قمقم بسياسة «بدون استرجاع ولا استبدال»، ثم يتساءل بحيرة حقيقية: لماذا لا يناديني أحد لتحقيق أمنياته؟
وكلما طُرح السؤال المعتاد: لماذا يبتعد الشباب؟ يأتي الجواب المؤلم بأن جزءًا من المسؤولية يقع على مخاطبة جيل جديد بنفس الإصدار القديم، فدفعه، زرافات زرافات، إلى الهامش، ثم إلى مسافة أبعد. وأي محاولة جادة لاستعادة الثقة لا تحتاج صراخًا في المنصات، ولا تصنيف كل سؤال على أنه مؤامرة من «جهة معادية»، ولا جملة واحدة تُعلّق فوق الباب وتُغلق بها كل الأسئلة، بل تحتاج فقط الاعتراف بأن الزمن تغيّر، وأن أدوات الوعي تغيّرت معه.
لكن وسط هذا كله، أتذكر مجلسًا كنت أزوره في السنوات الماضية، وكان له طعم مختلف. خطيبه لم يأتِ بمذكرة ورقية مطوية في جيبه، ولم يكتفِ بصوته وحده في مواجهة جيل يتعامل مع البودكاست والذكاء الاصطناعي. جاء بشاشة بروجكتر لا لتنقل صورته للحضور، بل لتعرض شرائح باوربوينت أعدّها بعناية، فيها مصادر من كتب ورسوم بيانية وصور تشبيهية تشرح ما يقول قبل أن يقوله. لنتخيل سويًا ماهي ردة فعل الكاسيت القديم لو رآه: «باوربوينت؟ في المجلس؟ هذا انفتاح منفلت!»، لكن الجمهور الجالس أمامه كان منتبهًا، والأسئلة في النهاية كانت حقيقية، لا مجاملات. رأيت بعيني أن الخطاب حين يوظّف أدوات زمانه، يرقى بجمهوره بالمقابل، وأن أداة البروجكتر ليست ترفًا، بل رسالة ضمنية تقول: «أنا هنا أتحدث معك، لا إليك».
- في الأخير - لعل زميلي محمد له الحق في نصيحته، ف رأسي يتذبذب بين الأصوات. لكني اكتشفت أن الحل ليس في رمي رأسي في خيشة وذبه في البحر، بل في البحث عن صوت يحترم عقلي، ويتجاوب مع زمني، ويعاملني كإنسان عنده سؤال، لا كتذكرة دعم يجب إغلاقها بسرعة. ويوم أجد هذا الصوت، أعدك يا محمد، لن يتذبذب رأسي بعده مع أي موّال، إلا إذا كان المّوال على - التون -، فهذا أمر آخر تمامًا.













