آخر تحديث: 28 / 6 / 2026م - 9:39 م

الاتفاقية الاقتصادية الخليجية الموحدة.. وعد لم يُستكمل

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

تُعد الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي وقعتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2001 أحد أبرز الوثائق الطموحة في تاريخ التكامل الإقليمي بين الدول النامية. جاءت هذه الاتفاقية كخطوة استراتيجية لترسيخ أسس سوق خليجية مشتركة حقيقية، بعد أكثر من عقدين من تأسيس المجلس عام 1981.

وتظل المادة الثالثة من الاتفاقية محوراً مركزياً، إذ تنص صراحة على منح مواطني الدول الأعضاء معاملة وطنية كاملة في عشرة مجالات اقتصادية وحياتية أساسية، دون أي تفريق أو تمييز. وتشمل هذه المجالات: حرية التنقل والإقامة، والعمل في القطاعين العام والخاص، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتملك العقارات، وحرية انتقال رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية المتكافئة، وتداول الأسهم وتأسيس الشركات، إلى جانب المساواة في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، كما حددت الاتفاقية جدولاً زمنياً واضحاً وطموحاً: استكمال المساواة في مجالي العمل والاستثمار بنهاية 2003، واستكمال التأمين الاجتماعي بنهاية 2005، وإنجاز السوق المشتركة بنهاية 2007.

وقد تحقق بعض التقدم الملموس على مستوى الإطار القانوني، مثل إطلاق الاتحاد الجمركي عام 2003، وإعلان السوق المشتركة رسمياً عام 2008. إلا أن الواقع العملي يظهر فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق، حيث تشير البيانات التاريخية للأمانة العامة للمجلس إلى أن عدد مواطني دول المجلس العاملين في القطاع الخاص بدول أخرى أعضاء متواضعة مقارنة بحجم القوى العاملة الوطنية في الدول الست.

وحتى اليوم، يبقى هذا الرقم محدوداً نسبياً رغم بعض التحسن التدريجي، مما يعكس استمرار بعض العوائق الإدارية والتنظيمية أمام الحركة الحرة للعمالة الوطنية. كما تظل حرية انتقال رؤوس الأموال محدودة في بعض الجوانب العملية، حيث تفرض بعض الدول قيوداً تنظيمية أو إجرائية تعيق الاستثمارات البينية. وتستمر قوانين الوكالة التجارية في تقييد المنافسة في بعض الحالات، وتمنع المواطنين من الدول الأخرى من ممارسة بعض الأنشطة التجارية بحرية كاملة.

أما مشروع السوق المالية الخليجية الموحدة، الذي كان يُنظر إليه كركيزة أساسية لتداول الأسهم وتأسيس الشركات عبر الحدود، فيظل محدود التفعيل رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على إعلان السوق المشتركة.

وبالرغم من أن قيمة التجارة البينية بين دول المجلس تجاوزت 70 مليار دولار في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال تمثل نسبة متواضعة قياساً بحجم الاقتصاد الخليجي المجمع الذي يتجاوز 2.2 تريليون دولار.

وهكذا،، يمكن القول إن التأخر في استكمال هذه الاتفاقية يعكس تحديات سياسية واقتصادية عميقة تتعلق بالتوازن بين السيادة الوطنية والتكامل الإقليمي، والمخاوف من المنافسة غير المتكافئة بين الاقتصادات الأكبر والأصغر. ومع ذلك، فإن الظروف الراهنة — خاصة التحديات الجيوسياسية والحاجة الملحة للتنويع الاقتصادي — توفر نافذة سانحة لإعادة إحياء الاتفاقية وتفعيلها بشكل أكثر كفاءة. إن استكمال بنودها لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز المرونة الاقتصادية وخلق سوق داخلي قوي قادر على جذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل نوعية للشباب الخليجي.

ولابد من الإقرار، أنه ورغم التحديات، لا تزال الاتفاقية تمثل إطاراً قوياً يمكن البناء عليه، خاصة مع التوجهات الحالية نحو التنويع الاقتصادي والتحول الرقمي في دول المجلس، ما يجعل استكمال تطبيق بنودها بشكل كامل أمر من شأنه أن يحول التكتل الخليجي إلى قوة اقتصادية إقليمية أكثر تماسكاً وتنافسية، قادرة على مواجهة التحديات العالمية بفعالية أكبر، وبالتأكيد يتطلب ذلك إرادة سياسية مشتركة وآليات تنفيذية أقوى لسد الفجوة بين النصوص والواقع.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى