آخر تحديث: 28 / 6 / 2026م - 9:39 م

الصبر.. خير ما لديك

عبد العزيز حسن آل زايد *

لو أخبرك أحد أن في أعماقك كنزًا ثمينًا يرفع قدرك، ويشيد بنيانك دون حاجة إلى مال وفير، أو منصب رفيع، أو موهبة خارقة.. فهل كنت ستعرفه؟ إنّ الحقيقة التي نغفل عنها أن كثيرًا مما نرهق أنفسنا بالبحث عنه في الخارج، قد أودعه الله في حنايانا. وإن خير ما نملك هو الصبر.

الصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل قدرة على البقاء حتى تنضج الثمار. تأمل هذا الوجود؛ الفلاح يودع بذرته في الأرض وينتظر، وطالب العلم يطالع المتون وينتظر، والأم ترعى جنينها ووليدها وتنتظر، والمصلح يغرس فكرته وينتظر. كلهم يراهنون على شيء واحد: القدرة على الصبر حتى يحين القطاف.

1. باب المدد

في مشوار الحياة، لا يكفي أن تملك الرغبة في الوصول؛ فالطريق موحش، وهنا تبرز الحاجة إلى مدد، كما تلخصه الآية العظيمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . العبادة توجه بوصلة القلب نحو الغاية، بينما الاستعانة تمدّ الطريق بالوقود. الصلاة تمد القلب، والصبر يحمل الإنسان حتى يكمل الطريق؛ ومن هنا تجلى الأمر الإلهي: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ . ولأجل هذا الربط الوثيق، ذهبت بعض المرويات إلى أن ”الصبر“ في الآية هو الصيام.

2. زمن الثمر

ثمة قانون يحكم هذا الكون: كل شيء عظيم يمر حتمًا بمرحلة لا يُرى فيها أثر للجهد المبذول. في تلك المرحلة تحديدًا، يسقط المتعجلون، ولا ينجو إلا الصابرون.

• الرياضي يصبر على قسوة التدريب.

• الحرفي يصبر على تكرار الخطأ.

• طالب العلم يصبر على سهر الليالي.

• المزارع يصبر على رتابة السقيا.

إن القاعدة التي تحكم الحياة تقول: كل تكرار يصحبه صبر، يصنعك أولاً.. ثم يصنع لك. تماشيًا مع الوعد الرباني: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا .

3. وجوه الصبر

ليس الصبر رداءً واحدًا يرتديه الإنسان في كل حال، بل هو ثلاثة أبواب، لكل باب منها وظيفته الروحية والتربوية في صقل النفس:

1. صبر يبنيك «الصبر على الطاعة»: وهو ثبات العابد على منهج الحق وتحمل ثقل التكليف.

2. صبر يحفظك «الصبر عن المعصية»: وهو امتناع الورع التقي عن تلبية نداء الشهوة العابرة.

3. صبر يكشفك «الصبر على البلاء»: وهو حال الفقير الصابر على فاقته، والمصاب الراضي بقدره، والغاضب الكاظم لغيظه؛ حيث تظهر حقيقتك العارية بلا مساحيق.

تختلف المشاق وتتنوع صور المعاناة، لكن الجوهر يظل واحدًا، ألا وهو الثبات.

4. قوة النفس

يخطئ الكثيرون حين يظنون أن مظاهر القوة تتجلى في ”القدرة على الفعل“ أو إبداء ردود الأفعال الصاخبة. إن القوة الأعمق قد تكون في ”القدرة على الترك والاستغناء“.

قيل قديمًا في مأثور الحكمة: ”الشجاعة صبر ساعة“. فالإنسان الغاضب يجد قوته في كظم غيظه لا في تفريغه، وصاحب الشهوة يجد سيادته في لجم رغبته. والحر الحقيقي ليس ذاك الذي يفعل كل ما يشتهي، بل هو الذي يستطيع ألا يفعل ما يريد إذا كان ذلك يخدش مروءته.

وينجلي هذا المفهوم في موقف علي بن أبي طالب حين دعاه بائع اللحم للشراء قائلاً: ”أنا أصبر عليك بالثمن“، فجاء الرد العلوي ينسف ارتهان الإنسان للحاجة: ”وأنا أصبر عن اللحم“.

5. ساعة الكشف

في أوقات الرخاء والسعة، من السهل جدًا أن يدّعي الجميع الصبر، فالمياه راكدة والظروف مواتية. لكن الفرز الدقيق لمعادن البشر لا يظهر إلا عند هبوب العواصف وحلول الامتحانات.

تأمل في سيرة النبي يوسف ؛ لم يأتِ تمكينه دفعة واحدة، بل كان عبر سلسلة متصلة من حلقات الصبر: صبر في عتمة الجب، وصبر في قصر الابتلاء، وصبر في غياهب السجن.. حتى صار الذي صبر، هو الذي يُرجع إليه الناس.

وفي تفاصيل حياتنا اليومية البسيطة، يعاد هذا الامتحان بانتظام: في ضياع الأشياء، وفي ضيق الرزق، وفي تأخر نتائج السعي. في تلك المنعطفات تسقط الأقنعة، ويتميز الصبور حقيقة من المتظاهر به.

6. خير ما لديك

إن الصبر - في نهاية المطاف - ليس استسلامًا ذليلاً، ولا انتظارًا فارغًا. الصبر هو أن تبقى واقفًا على قدميك، ثابتًا على طريقك، حتى يفتح الله لك ما لا يُفتح لغيرك. وكثيرًا من أبواب الخير لا تُفتح بالقوة ولا بالسرعة، بل تُفتح بالصبر.

فحين تُسأل يومًا: ما أكثر ما تخاف أن تفقده؟ فلا تقل: مالي، ولا منصبي.. بل قل: ”قدرتي على الصبر“.

إداري في مركز التنمية والإبداع-خريج جامعة الملك فيصل بالأحساء «العوامية».