لا تعمل أكثر من المطلوب… فتُستبعد
نشأنا على قناعة راسخة بأن من يعمل أكثر يكافأ أكثر، وأن الاجتهاد هو الطريق الأقصر للنجاح. كنا نؤمن بأن الموظف الذي يبذل جهدًا إضافيًا، ويتحمل المسؤوليات، ويتعلم باستمرار، هو الأقرب إلى التقدير والترقية.
لكن خبرة العمل غيّرت نظرتي إلى هذه الفكرة.
كنت يومًا موظفة، وكنت أجتهد بكل ما أستطيع. أتعلم كل ما يقع تحت يدي، وأحاول ألا يطلب مني مديري أمرًا فأقول: «لا أعرف». كنت أبحث عن الحلول، وأتطوع لمعالجة المشكلات، وأسعى لأن أكون الموظفة التي يمكن الاعتماد عليها في كل شيء. لا أعلم إن كنت أفضل موظفة، لكنني كنت أبذل كل ما لدي لأكون كذلك.
وبقيت أنظر إلى الأمور من هذه الزاوية، حتى تبدلت الأدوار.
تركت الوظيفة، وأصبحت صاحبة مشروع، والمسؤولة عن إدارة فريق العمل. في البداية، كان من الصعب عليّ معرفة الموظف المناسب. مررت بتجارب متعددة مع موظفات مختلفات، وكل تجربة كانت تعلمني درسًا جديدًا.
حينها فهمت لماذا لا تقتصر المقابلات الوظيفية على الشهادات والخبرات فقط، ولماذا تُطرح أحيانًا أسئلة تبدو بعيدة عن طبيعة العمل. فالمهارة يمكن تعلُّمها، أما الشخصية فهي التي تحدد طريقة تعامل الموظف مع المسؤولية، ومع العملاء، ومع فريق العمل.
وخلال تلك التجارب، مرّت عليّ موظفة كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة. لم تكن تكتفي بأداء مهامها، بل كانت تحاول إبداء الرأي في قرارات الإدارة، وتوجيه المؤسسة، وتقديم النصائح في أمور لم تكن ضمن مسؤولياتها. كانت تظن أنها بذلك تثبت قيمتها، بينما كنت أرى أنها تتجاوز حدود دورها الوظيفي.
لم أستطع الاستمرار مع هذا الأسلوب، وأنهيت فترة تجربتها.
في تلك اللحظة، تعلمت درسًا لم أتعلمه طوال سنوات كنت فيها موظفة.
الاجتهاد قيمة عظيمة، لكن الحكمة أعظم. ليس كل ما تستطيع فعله يجب أن تفعله، وليس كل مشكلة تراها مسؤوليتك أن تحلها.
الموظف المتميز ليس من يتدخل في كل شيء، بل من يعرف حدوده، ويتقن عمله، ويتحمل مسؤولياته، ويضيف قيمة حقيقية دون أن يتجاوز دوره.
قد تعمل أكثر من الجميع، لكن إن لم تكن تدرك أين ينتهي دورك، فقد يتحول اجتهادك من نقطة قوة إلى سبب لاستبعادك.
فالنجاح في بيئة العمل لا يعتمد على كثرة ما تفعل، بل على وعيك بما ينبغي أن تفعله… وما ينبغي أن تتركه.













